جذورها الممتدة على أعماق شاهقة أسفل سطح الأرض وأوراقها المتصاعدة نحو السماء، تنمو وتزدهر في بيئات المسطحات المائية المالحة، وتأتي بالخيرات وتتكاثر الزيارات السياحية حيث تستقر أشجار «القرم أو المانجروف»، كأنها تميمة الحظ للقاطنين بمناطقها والدُول المُقدر لها زراعتها أو بعض أنواعها، وانطلاقًا من أهميتها ودورها البيئي الحيوي، اختار جمال الخولي، المهندس الزراعي، تجربة استجلابها من بيئتها الأم على سواحل البحر الأحمر للتوعية بأهميتها البيئية إلى زائري حديقة الأورمان، مقر عمله، الواقعة بالجيزة
انطلقت تجربته الشخصية مع زراعة الأشجار تقريبًا في عام ٢٠٠٨، في وقت كان يخشى إنضمام المانجروف إلى قائمة النباتات المصرية القديمة المهددة بالانقراض، ما دفع الخولي إلى استقبال النباتات بين أشجار الحديقة، حيث تبنّى مشروع رعايتها للاستفادة من دورها البيئي، وهي خطوة هدف من وراءها إلى التوعية البيئية المجتمعية بملامح وقيمة المانجروف وتأثيراتها الحيوية على الطبيعة المصرية، ورغم أنه يعلم تمامًا أن تلك الأشجار تنمو في بيئة مناخية تختلف عن القاهرة وتتلائم مع الشرائط الساحلية في البحر الأحمر، إلا أنه وجد أن خطوته ربما تبعث على الأمل وبمثابة نفخة حياة تمنح النباتات مستقبل أكثر ازدهارًا وانتعاشًا
استقبلت الحديقة الزائرين إلى الأشجار ذات الجذور العميقة، للتعرف عليها وشرائها، وسريعًا نفذت الكميات الوافدة من البحر الأحمر، بعدما أدت التجربة مهمتها في التعريف والتثقيف بالمانجروف كواحدة ضمن الأشجار القادرة على حماية البيئة ويقول المهندس الزراعي لـ"المصري اليوم" إن تلك الأشجار تنمو اعتمادًا على الماء المالح ولهذا السبب تنجح زراعتها في محافظات تتوفر بها ظروفها المناخية المناسبة
كان المهندس الزراعي يدرك أنه لن يطول زراعتها في حديقة الأورمان واكتفى بعرض تعريفي للزائرين من جميع المناطق والمحافظات، وتابع: "تسلمت النبات من مديرية الزراعة بالبحر الأحمر في شكل شتلات.. حاليًا ليس لدينا شتلات من أشجار المانجروف منذ زمن استقدامها ونفاذها من الأورمان أي طوال ١٤ عامًا"، وختم كلماته بأنها خطوة كان يتوقع نتائجها من البداية، وصعوبة استمرار نجاحها، وذلك لاحتياج المانجروف بإلحاح إلى مناخ خاص وعوامل بيئية تتوفر ببعض المدن الساحلية
المانجروف خط الدفاع الأول أمام الكوارث الطبيعية
ينمو المانجروف في جنوب شرق آسيا بمنطقة الخليج العربي، وفي مصر يرتكز بمناطق الماء المالح مثل بعض مُدن البحر الأحمر، واسعة المدى الملحي بمعدلات تمتد من 45 إلى 60 جزء في المليون، وهذا يختلف عن معظم بيئات المانجروف السائدة في العالم والتي تقع في طينة عميقة، موحلة، معتدلة الملوحة مع تدفقات للمياه العذبة. أحد أهم أدوار المانجروف هو زيادة الأكسجين في البيئة البحرية وتلك المناطق تُستَخدم كمناطق للحضانة والتفريخ لبعض الفصائل مثل سمك الخرمان، السيجان، البوري، الروبيان، والعديد من القشريات مثل القريدس وسرطان البحر. وتعتبر أشجار المانجروف مواقع هامة لتعشيش الطيور كالنوارس، الصقور، والعقاب النساري، وتتضمن الطيور المميزة الأخرى كالبلشون، و الخرشنة
وترصد الأبحاث العلمية منافع الأشجار، وتأثيرات وجودها الإيجابية على حياة الإنسان، وقال الباحث بالعلوم التطبيقية الحاصل على دكتوراه في جامعة كولومبيا البريطانية وماجستير بجامعة نبراسكا-لينكولن بالولايات المتحدة الأمريكية، محمد نزيب سوراتمان، خلال بحثه العلمي التابع لجامعة التكنولوجيا الحكومية مارا الواقعة في ماليزيا، العام الماضي، إنه يُعترف حاليًا على نطاق واسع بدور أشجار المانجروف الواضح كحاجز طبيعي يحمي البشرية من مخاطر بيئية متعددة مثل العواصف والأمواج وتآكل السواحل باعتبارها أول مدافع يقف في وجه الكوارث الطبيعية لحماية السواحل
وأشار إلى أنها تساهم في عزل الكربون عبر إزالة غاز ثاني أكسيد من الغلاف الجوي لإبطاء أو تخفيف التلوث وتحجيم ظاهرة الاحتباس الحراري، كما أنها تقلل من نسب تعرض المجتمعات الساحلية للمخاطر. وذكر خلال البحث العلمي أنه أُجريت دراسة في أعقاب الإعصار الذي ضرب مدينة أوريسا الهندية عام ١٩٩٩ ووجد أن القرى التي زرع بها أشجار المانجروف كان عدد الوفيات بها أقل مقارنة بباقي القرى التي يزرع بها الأشجار بنسب متضائلة أو تجاهلت زراعتها تمامًا. ولفت إلى أن إجمالي تخزين الكربون في النظم البيئية لأشجار المانجروف مرتفع بشكل استثنائي أكثر من معظم أنواع الأشجار بمتوسط 968 ميجا جرام كربون هكتار ونطاق 863-1073 ميجا جرام كربون
ووفقًا لدراسة نشرتها المجلة العلمية «ساينتفيك ريبورتس»، فأن غابات المانجروف توفر فوائد للحماية من الفيضانات تتجاوز 65 مليار دولار أمريكي سنويًا، وفي حالة غياب تلك الأشجار عن كوكب الأرض فسيغمر 15 مليون شخص آخر سنويًا بمياه الفيضانات في جميع أنحاء العالم، وأرجعت الدراسة السبب إلى أن المانجروف تعمل كخط دفاع أول ضد الفيضانات والتعرية، وذلك لجذورها المتشابكة والمتقاطعة بقاع الأرض إذ تحتفظ الجذور بالرواسب، مما يؤدي إلى استقرار تربة مناطق المد والجزر وتقليل التعرية
وأظهرت الدراسات أن غابات المانجروف يمكن أن تقلل ما يصل إلى 66٪ من طاقة الأمواج حيث تبدد الجذور والجذع والأغصان بالأشجار العواصف والأمواج، وتسببت زراعة قرية في تاميل نادو بالهند لـ 80244 شجرة مانجروف حول قريتهم، على طول الخط الساحلي من حمايتهم حينما ضرب تسونامي عام 2004 القرية حتى إن المياه غمرت المناطق المجاورة لكن القرية بقيت سالمة
تعرضت غابات المانجروف لخسائر كبيرة على مدى العقود الماضية، وانخفضت عالميًا من 139،777 كيلومترًا مربع في عام 2000 إلى 131،931 كيلومترًا مربع في عام 201420، مع وجود خسائر أكبر قبل عام 2000 وكانت الأسباب المباشرة وراء تراجع نسبها هو التحول إلى تربية الأحياء المائية أو الزراعة والتنمية الساحلية. في المقابل، أوضح تقرير شارك في تأليفه «الحفاظ على الطبيعة»، وهي منظمة بيئية عالمية أنه خلال إعصار إيرما في عام 2017 في شرق البحر الكاريبي، حمت أشجار المانجروف أكثر من نصف مليون شخص ومنعت وقوع حوادث وأضرار تصل قيمتها إلى 1.5 مليار دولار من الفيضانات المباشرة
وإيمانًا بدور المانجروف الحيوي والبيئي، أقر المجلس التنفيذي لليونسكو في دورته الثالثة عام 2015، بإعلان يوم 26 يوليو، يومًا دوليًا لصون النظام الإيكولوجي لغابات المانجروف، بناء على اقتراح تقدمت به دولة الإكوادور بدعم من مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي. وبعثت أودري أزولاي، المديرة العامة لليونسكو، يوليو الماضي رسالة تحذيرية قائلة: غابات المانجروف باتت معرّضة للخطر الذي يخيّم، وفقاً للتقديرات، على أكثر من ثلاثة أرباع غابات المانجروف في العالم ويُنذر باختلال توازن كل النظم التي تعتمد على تلك الغابات
وأكدت أزولاي أن التوعية العامة واسعة النطاق تستلزم العمل على تثقيف الناس وتوعيتهم، ليس في المدارس فحسب، بل أينما أمكن ذلك، إذ إن التوقف عن عدم المعرفة على سبيل المثال بكيفية رعاية الأشجار يؤدي إلى هلاكها سريعًا. إذ كان لدى الفلبين تجربة زراعة خاطئة هددت بقاء المانجروف على قيد الحياة، بعد أن ضرب إعصار هايان المجتمعات الساحلية في الفلبين في شهر نوفمبر عام 2013، التزمت الحكومة بزراعة مليون شجرة مانجروف، وتم زراعة الكثير منها دون النظر إلى اختيار الأنواع المناسبة في المكان المناسب، لذا ماتت العديد من تلك الأشجار
جزيرة القرم.. الرئة الخضراء لأبو ظبي
الاحصائيات والبحوث العلمية العالمية، المشددة على أهمية توفير بيئات طبيعية ملائمة للتوسع في زراعة المانجروف، وغيرها من العوامل سواء البيئية أو المجتمعية، كانت الدافع المُحفز للإمارات العربية المتحدة على الإهتمام بتلك النباتات، حيث تحافظ وزارة التغير المناخي والبيئة على أشجار القرم، باعتبارها إحدى الثروات البيئية، تنفيذًا للقانون الاتحادي 24 الصادر سنة 1999، بشأن حماية البيئة وتنميتها، وينص في أحد بنوده، على منع قطع أشجار القرم في الدولة، كما تقوم السلطات المختصة في الإمارات بإعادة تأهيل المناطق المتضررة، والحرص على استدامة هذا النوع من الأشجار، وذلك من خلال التركيز على استزراع أشجار القرم والمحافظة عليها
وانطلقت خطوات زراعة المانجروف منذ عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث وضع في سبعينيات القرن الماضي، مجموعة من البرامج الضخمة لزراعة أشجار القرم ساهمت إلى حد كبير في اتساع رقعة غابات القرم على مدى العقود الماضية، وواصلت الهيئة الجهود والتي شملت زراعة أشجار القرم وأثمرت عن زراعة 15 مليون شجرة قرم خلال الـ 10 سنوات الماضية، في جزر ومناطق مختلفة منها السعديات والجبيل وياس والحديريات وغيرها، وأشارت الهيئة إلى أن ذلك هذه البرامج ساعدت على زيادة مناطق أشجار القرم بمقدار 64 كيلومترًا مربعًا، لذا ازدادت مساحة مناطق أشجار القرم في أبوظبي بمعدل يتخطى 35٪، واليوم تصل مساحة أشجار القرم في الإمارة إلى 176 كيلو متر مربع بما يشمل الأشجار الطبيعية والمزروعة
وانطلاقًا من أهميتها البيئية والسياحية، أطلقت عاصمتها أبوظبي تجربتها الخاصة بإنشاء منتزه القرم البحري الوطني، وتعد محمية القرم هي الأكبر بالدولة وأكثر مناطق القرم كثافة، تمتد على مساحة تبلغ حوالي 10 كم مربع وتعتبر موطناً لحوالي 8 ملايين شجرة، افتتحت في أكتوبر ٢٠١٤، بناءً على توجيهات الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، الابن الأكبر للشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، وهو مشروع من إنشاء دائرة البلديات والنقل وهيئة البيئة في أبوظبي
وداخل حديقة القرم يوجد 13 نوع مختلف من سرطان البحر وحوالي أكثر من 60 نوعًا من الطيور، وتتيح الجزيرة فرصة ممارسة الرياضات المائية باختيارك التجديف بقوارب الكاياك زاهية الألوان، لذا تصف هيئة البيئة في أبوظبي أشجار المانجروف بـ«الرئة الخضراء للمدن الكبرى مثل أبوظبي»، تلك التجربة التي أكدت قدرة الأشجار على جلب الخير والرخاء إلى الداعمين لزراعتها إذ تستقطب يوميًا العديد من الزائرين بل وتطرد الملوثات الهوائية في سماء الإمارات وتدعم الحياة المائية
وتعود فكرة إطلاق المنتزه إلى التوعية المجتمعية بين الأطفال والزائرين من العائلات بدور أشجار القرم، شأن باقي الأشجار على كوكب الأرض، وتقول هيئة البيئة في أبو ظبي لـ"المصري اليوم" إن أشجار القرم تساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ فهي تعتبر من المصادر التي تمتص الغازات الدفيئة، ولها القدرة على تخزين وعزل الكربون تصل إلى 4 أضعاف أشجار الغابات المطيرة في الأمازون. وتؤكد الهيئة على أن تلك الأشجار توفر الغذاء والمأوى للعديد من الأنواع البحرية المحلية، واللافقاريات، وتعتبر ملجأ للأسماك الصغيرة، فيما تتخذ الطيور البحرية من غابات القرم الواسعة ملاذا آمناً للتعشيش ووضع البيض. علاوة على ذلك، تشكل أشجار القرم حاجزاً طبيعياً لحماية السواحل من التعرية والتآكل بفعل الأمواج والتيارات البحرية
وتقول هيئة البيئة في أبو ظبي لـ«المصري اليوم» إن أشجار القرم لها دور في دعم التنوع البيئي في الإمارة، فهي تضم أكثر من 60 نوعاً من الطيور، و6 أنواع من الزواحف، و7 أنواع من الطحالب، و32 نوعاً من العوالق النباتية، و24 نوعاً من الأسماك، و42 نوعاً من اللافقاريات البحرية، التي تتخذ من أشجار القرم مسكنًا لها، وتلعب أشجار القرم أيضًا دورًا مهمًا في حماية الموائل المجاورة مثل طبقات الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية من الترسبات، فضلاً عن المساعدة في تحسين جودة المياه ودعم أنشطة السياحة البيئية
ولرفع الوعي بأشجار المانجروف وغيرها من النباتات، أطلقت الهيئة مؤخراً تطبيقاً إلكترونياً جديداً للهواتف الذكية وموقعاً إلكترونياً يحمل اسم "طبيعة أبوظبي"، لمساعدة الجمهور في معرفة المزيد عن الحياة البرية في إمارة أبوظبي وتسجيل مشاهداتهم للأنواع البرية والبحرية يمكن للمستخدمين البحث في قاعدة البيانات الشاملة للتطبيق ومعرفة المزيد عن أكثر من 4000 نوع من الطيور والثدييات والزواحف والأسماك والنباتات المختلفة التي تم رصدها من قبل الهيئة
وفي إطار التوعية البيئية، أوضحت الهيئة أنها طورت برامج متعددة للتوعية البيئية لزيادة الوعي البيئي لدى مختلف شرائح المجتمع بجمال التراث الطبيعي وكيف يمكن المساهمة في الحفاظ عليه وتقليل البصمة البيئية قدر المستطاع من أجل تحقيق صالح كوكب الأرض. وتدير الهيئة برنامج للمحميات البيئية الطبيعية الذي يقدم فرصة للجمهور لتعزيز علاقتهم مع الطبيعة، وتشجع الهيئة جميع زوار المحميات البيئية الطبيعية على مشاركة أفكارهم ومقترحاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالهيئة ومن هذه المحميات متنزه القرم البحري الوطني، الذي يعتبر أحد أهم المواقع المهمة ضمن شبكة زايد للمحميات الطبيعية التي تديرها الهيئة وتضم 19 محمية طبيعية
معوقات أمام التوسع في زراعة المانجروف
وبالعودة إلى البيئة الزراعية والمناخية للمانجروف في مصر، تجد محاولات متفرقة طوال قرابة ١٥ عامًا وحشد للجهود من أجل حماية المانجروف من الاختفاء، ورغم أن مصر تملك أكثر من شجرة مانجروف مُعمرة، إحداها يتخطى عمرها الـ٢٠٠ عام، تقع في مياه البحر الأحمر بمنطقة العلقان داخل مياه محمية وادي الجمال بمرسي علم وتستقطب أعداد كبيرة من السائحين والمصريين، إلا أن الخطوات المصرية للحفاظ على المانجروف، لا تزال تسير متمهلة في خطتها التوسعية والتنموية الخاصة باستزراع المانجروف
يتوفر المانجروف حاليًا فقط في شواطئ سلاسل جبال البحر الأحمر لكن حجم زراعته ليس ضخمًا، وذلك وفقًا لكلمات الدكتور مسعد قطب، رئيس الإدارة المركزية للزراعات المحمية التابعة بمركز البحوث الزراعية لـ"المصري اليوم"، وأشار إلى أن المانجروف يتركز في الشواطئ التي تتوفر بها الماء المالح على أن يكون منسوب الماء منخفضًا وليس عميقًا للغاية وذلك لأن تلك المناطق تتناسب مع احتياجاته البيئية إذ لا تحتاج الشجرة أن تغمر كليًا بالماء ويكفي تغطية ١-٢ مترًا من الأشجار وجذورها لكن في بعض الأحيان تظهر أجزاء من جذور النباتات أعلى سطح الماء
وحول أسباب تأخر التحرك نحو التوسع الزراعي في المانجروف إلى اليوم، قال إن تكاثر تلك النباتات ليس سهلًا ولابد من زراعتها في بيئاتها وسط ظروف ملائمة لنموها بشكل جيد والسبب الثاني أوضح أنه لبعد المسافة لا يتجه معظم الباحثين إلى بيئات زراعة المانجروف لدراستها والمساهمة في تنميتها
فيما يوضح سيد خليفة، نقيب الزراعيين ومدير المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة «أكساد» بالقاهرة، ورئيس الفريق البحثي لاستزراع غابات المانجروف، إلى أن تراجع زراعتها في السنوات الأخيرة يرجع إلى تعرضها للتدهور نتيجة رعي الأبل وعمليات التحطيب من السكان المحليين القاطنين حول مناطق تركز الأشجار، وأضاف أن أشجار المانجروف هي غابات طبيعية نامية تنمو على ساحل البحر الأحمر منذ قديم الزمان بداية من جنوب مدينة سفاجا حتى حدودنا الدولية في السودان، وتتركز في محمية رأس محمد ونبق بخليج العقبة جنوب سيناء، ويصل إجمالي المانجروف النامية طبيعيًا على سواحل البحر الأحمر ٥ كيلومترًا مربعًا أي حوالي ١٥٠٠ فدانًا
ويشترط زراعته توفر ظروف بيئية مناسبة، فالأشجار تنمو في مناطق البحار المالحة وتتحمل ملوحة حتى ٤٠-٥٠ ألف جزء في المليون، لذلك مناطق البحر الأحمر التي تتوفر بها مياه مالحة بنسبه تصل إلى ٣٠-٤٠ ألف جزء من المليون هي الأنسب لزراعتها، ويلفت قطب إلى أن المانجروف تطلق إفرازات حول جذورها تساعد على تنمية الثروة السمكية، لذا يكون بينها وبين الأسماك معيشة تكافلية، وأوضح أن زراعة تلك الأشجار خارج الماء في أغلب الأحيان لا ينجح، قائلًا: كثيرين حاولوا زراعته في الماء العذب واعتباره ضمن الزراعات العادية لكن لا تنجح أو تدوم تجاربهم طويلًا
ويشير إلى أنه بالوقت الحالي هناك محاولات لزراعته في مناطق يتناسب مناخها مع ظروف زراعته البيئية مثل مرسى علم، وأرجع أسباب محاولات الالتفات إلى المانجروف هذه الأيام إلى أن قدرته على امتصاص الكربون وتخزينه في الأنسجة النباتية تعادل قدرة الغابات الاستوائية وهو ما يطلق عليه الكربون الأزرق، ويُعرف ذلك المصطلح قائلًا: الكربون الأزرق، هو كل شيء يتم تخزين الكربون فيه بالبحار والمحيطات وهو مصطلح في مجال التغيرات المناخية نستطيع من خلاله عمل احتجاز الكربون في الأنسجة النباتية، وينعكس ذلك على البيئة والطبيعة
ويحدد الدكتور مجدي علام، مستشار برنامج المناخ العالمي وأمين إتحاد خبراء البيئة العرب، خطوط نمو المانجروف، لافتًا إلى أنه يظهر في خط عرض قليل لذلك لا نراه إلا على شواطئ البحر الأحمر بين مصر والسعودية ودول الخليج العربي، بالإضافة إلى خطوط عرض أخرى حول العالم لكن درجات الحرارة في قارة أفريقيا والجزء العربي أعلى بكثير مقارنة بدول البحر المتوسط بالتالي تظل حدود نموه في ذلك الحزام، لذلك ارتبط أكثر بالبحر الأحمر بشاطئيه في مصر والسعودية بصفة أساسية ودول الخليج
وأضاف أن المانجروف بدأ يتأثر أكثر بالتلوث فتراجعت نسب نموه الطبيعي، وباتت معدلات زراعته آقل، فيما ركّز على فوائد زراعة المانجروف وتأثيراته الإيجابية على الطبيعة، حيث قال: إحدى مميزاته هي أن أوراقه محطة تحلية مياه ولا يعرف تلك المعلومة إلا الجمال والبدو، إذ تصل الجمال ناحية البحر للتوغل بين الأشجار والحصول على قطرات الماء الموجودة بالجهة الخلفية لأوراق النبات، فالمانجروف تمتص أوراقه الماء المالح من البحر وتحولها إلى ماء عذب، وتتكثف القطرات من الماء العذب على الأوراق، فيما يظهر الملح أعلى الورقة وكأنها محطة مياه عذبة تعطي الماء للحيوانات والطيور المهاجرة
ذكرت الدكتورة وفاء عامر، أستاذ النباتات الصحراوية في كلية العلوم جامعة القاهرة وعضو الإتحاد العالمي لصون الطبيعة، إنه عالميًا تم إنشاء "اتفاقية رامسار" عام 1975 للحفاظ على الأراضي الرطبة المهددة بالتدهور على كوكب الأرض، منذ عقود، وشملت غابات المانجروف في البحر الأحمر، موضحة أن مصر أحد الدول الموقعة والملتزمة بهذه الإتفاقية
وفي عام 2002 كان هناك جهود مكثفة لزراعة المانجروف المنتشر من الشمال إلى الجنوب بداية من منطقة نبق ورأس محمد في جنوب سيناء والجونة وجنوب سفاجا وحماطة ووادي جمال ومرسى علم وشلاتين وحلايب وتوجد بعض التجمعات على الجزر مثل أبو منقار، وفقًا لما ذكرته الدكتورة، حيث عقدت ورشة عمل حينها للتركيز على نبات المانجروف في مدينة الغردقة بحضور منظمة الأغذيـة والزراعـة التابعة للأمـم المتحـدة والمؤسسات الحكومية المصرية. أوصت ورشة العمل تحديد أماكن تواجد هذا النبات في السنوات السابقة مما يرشدنا إلى أماكن إكثاره، ودراسة أوجه النفع والضرر من السياحة البيئية على هذا النبات للحد من مخاطر الإضرار على نمو النبات، كذلك دراسة أوجه الاستفادة المستدامة من هذا النبات للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة
في المقابل، أرجعت أسباب تضرر المانجروف طوال السنوات الماضية إلى عوامل أولها طبيعية مثل نقص كميات الأمطار في العقود الأخيرة عن ما كانت علية بالماضي وزيادة درجات الملوحة في البحر الأحمر، والرعي الجائر من الجمال والماعز نتيجة تراجع الكساء الخضري البديل بمنطقة جنوب البحر الأحمر وتعرض الأشجار للقطع الجائر لبعض الأماكن من البدو والسكان المحليين، ولفتت إلى أن هناك أسباب تتعلق بطبيعة النبات مثل احتياج شتلاته رعاية في أوائل مراحل النمو
وأكدت أن هناك محاولات من مركز بحوث الصحراء بإطلاق مشروع في جنوب البحر الحمر لاستزراع المانجروف وزيادة أعداد الأشجار في هذه البيئة مستمرة بالوقت الحالي. وأشارت إلى أن لمصر تاريخ طويل في زراعة المانجروف، موضحة أنه توجد بقايا أثرية لهذا النبات ترجع إلى ما قبل 400 ميلادية، أما الفتـرة التـى تـم تسـجيل أول عينات نباتية بناء على الحفائر الأثرية، فهي الفترة الرومانية (400-700 ميلادية)
ولفتت إلى أنه اكتشفت قلعة تسمى أبوشعر على ساحل البحر الأحمر، هذه القلعة كانت ملحقة بالميناء البحري، وكانت المحطة الرئيسية للقوافل التجارية مـن أوروبا إلـى سـواحل أفريقيا الشرقية والهند، وذلك بمرورها في البحر المتوسط إلى الإسكندرية ثم نهر النيل ثم القلعة على ساحل البحر ثـم جنوبا إلى أفريقيا والهند. وكانت القوافل تأتي إلى أفريقيا غالبا لجلب العبيد وإلى الهند للتجارة وكذلك كان هذا الميناء هو المحطة الرئيسية التي يمر بها الحجاج المسيحيين الأفارقة إلى فلسطين بعـد عبـور البحـر الأحمر إلى ميناء الكيلانى المقابل لميناء أبوشعر في منطقة الطور بسيناء
وتأتي أهمية هذه القلعة بالنسبة لتاريخ المانجروف في أن أعمدة وأبواب وأسوار وسلالم هذه القلعة تم عملها مـن أشجار المانجروف، وعلى وجه التحديد مـن نبات الشـورى (أحد أنواع المانجروف). وبلغت أقطار بعض السيقان المستخدمة لهـذا الغـرض ٤٠ سـم، وهذا القطر بالحسابات العلميـة يمكن أن يكون لشجرة حجـم النمـو الخضري لهـا 25 مترًا مكعبًا إلا أن هـذا النمو يتوافر حاليًا بهـذا الشـكل في هـذه المنطقة وربما تجده أيضًا عند شلاتين، وتشير الدكتورة إلى أنه وجدت في هـذه المنطقة بعض الشجيرات الضعيفة التي تم رصدها عام ١٩٩١، والتي قد تم إزالتها بعد ذلك في المشاريع السياحية بالمنطقة
وأضافت أن أشجار المانجروف كانت تنمو فى الفترة من ٤٠٠-٧٠٠ ميلادية بكثافة لا تتواجد الآن إلا في جنوب مصر. وفي العصور الإسلامية في الفتـرة مـن ١٠٠٠-١٣٠٠ ميلاديـة، ذكر المؤرخون أن قلف نبات الريزوفـورا (وهو أحد أنواع المانجروف) استخدم كثيـرًا في عمليات الصـباغة والأخشاب، كما استخدمت سيقان المانجروف فـي صناعة الأثاث والقوارب لأن أخشابها مقاومة للسوس وبإمكانها الصمود بمرور الزمن
المانجروف والسياحة الإيكولوجية
هل بإمكان مؤسسات الزراعة والبيئة المصرية الاستفادة الاقتصادية والسياحية بشكل أكثر اتساعًا من أشجار المانجروف عبر إطلاق مشروع مماثل (يحاكي) لـ"حديقة القرم" في أبو ظبي، يجيب الدكتور مسعد قطب على السؤال قائلًا: نحن نعمل بالوقت الحالي على مشروع توسع بزراعة المانجروف في مرسى علم، ونتمنى من خلال النموذج الذي نطلقه هناك إلى التوعية البيئية ونبحث معدل احتباس الأشجار للكربون لوضع استراتيجية خاصة بمدينة مرسى علم حتى تصبح المدينة صفر كربون
وأوضح أنه يتم دراسة قدرة المانجروف على التخلص من التلوث في المدينة لتصبح صديقة للبيئة مع العمل على زراعة المزيد منها وحماية الأشجار القديمة وبحث عن سبل رعايتها. نمو أشجار المانجروف يستغرق عام ونصف، لذا من الممكن أن يرى المشروع النور بعد عامين، واستكمل: بسبب الوعي المناخي مؤخرًا بدأت المؤسسات الحكومية الإهتمام بالمانجروف وتمويل مشاريع التوسع في زراعته بالتالي بدأ الباحثين يلتفتون من جديد إلى تلك الأشجار، ومن المتوقع أن يكون هناك طفرة كبيرة الفترات القادمة في زراعة المانجروف وكل أنواعه المتوفرة
وأعلن سيد خليفة أن الحكومة المصرية تركز على الإهتمام بإعادة تأهيل غابات المانجروف والتوسع فيها في البحر الأحمر، بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي ومحافظة البحرالأحمر وجنوب سيناء، لافتًا إلى أن الدراسات الفنية المدققة لعملية تنمية الأشجار استغرقت حوالي عامين ثم تمت زراعة شتلات في قلب الماء المالح بالبحر الأحمر، وتابع: بالفعل كان نموذج ناجح لأن التوسع في زراعة تلك الغابات الطبيعية لها أهمية كبيرة فتعمل كحائط دفاع في وجه عمليات المد والجزر وهي أحد الوسائل الطبيعية في مكافحة عمليات تآكل الشواطئ على ساحل البحر الأحمر
ولفت إلى أن مركز بحوث الصحراء وأكاديمية البحث العلمي سعت إلى تقليل التعامل السلبي من سكان مناطق المانجروف، للتوقف عن استعمال تلك الأشجار في التحطيب والإضرار بها أثناء الرعي الجائر وذلك من خلال إطلاق نماذج لمشاريع تركز على تربية النحل في مناطق نمو المانجروف، إذ ينتج عنها أحد أجود أنواع عسل النحل، بالتالي عرف القاطنين بالمناطق المجاورة أهمية أشجار المانجروف، هنا بدأت مهمتهم بالحفاظ عليها وأوضح أنه المشرف حاليًا على مشروع إكثار غابات المانجروف، مضيفًا أن المساحات الجديدة التي تمت زراعتها للمانجروف هي 500 فدان بالإضافة إلى الأشجار القديمة
واستطرد: "تم عرض هذا النموذج في مؤتمر المناخ الذي استضافته مصر في شرم الشيخ كوب 27 كنموذج ناجح ونسعى إلى حشد تمويل دولي لأن التمويل كان محلي فقط، ورغم ذلك استطعنا التوسع في زراعة المانجروف ونستكمل خطواتنا الفترات القادمة"، ويسلط الدكتور مجدي علام، مستشار برنامج المناخ العالمي وأمين اتحاد خبراء البيئة العرب، الضوء على أسباب تعطل مشاريع التوسع بالمانجروف، قائلًا: الالتفات إلى المانجروف بدأ متأخرًا لأن التركيز على تلك الأشجار كانت لدى مركز بحوث الصحراء وبعض المراكز البحثية فقط، لكن لم يتحول إلى مشروع اقتصادي متكامل
وقدّم الدكتور الاقتراحات والحلول، للاستفادة من أشجار المانجروف المتفرقة والمتكتلة كمشروع اقتصادي بيئي، موضحًا: حتى نطلق مشروع المانجروف كمشروع اقتصادي يحتاج تطوير المناطق التي بها المانجروف بتخصيص أماكن لاستقبال السائحين والزائرين مثل إطلاق الخيم للاستراحة وتسهيل عمليات التنقل لدعم التنزه بين مناطق أشجار المانجروف
الخطوة التالية، حسب كلمات الدكتور مجدي علام، هي إطلاق حملات إعلامية من خلال شركات سياحة متخصصة بهدف تعزيز السياحة الإيكولوجية، ويفسر ذلك المصطلح بأنه هذا النوع من السياحة الذي يرتكز على اكتشاف الطبيعة، إذ يأتي السائح رافضًا المكوث بإحدى فنادق الخمس نجوم ويفضل البقاء بالقرب من الرمال والطبيعة المائية والبحرية وهو سائح خاص صديق للطبيعة، بعضهم يأتي لمشاهدة مسارات الطيور والحيوانات البرية وأخرون يرغبون في اختيار مناطق جيولوجية للتعرف على شكل التكوينات الصخرية والكهوف وغيرها، ويستكمل: هو ليس السائح الترفيهي الذي يفضل ركوب مراكب شراعية بالنيل وزيارة الأوبرا وغيرها
وأشار إلى أن إطلاق مشروع يحاكي حديقة "المانجروف" الإماراتية، يحتاج إلى شركة سياحية بيئية مهمة وليست بحوث فردية لتوفير سياحة إيكولوجية، بهدف توفير سبل للاستمتاع بالمناطق المحيطة بالمانجروف، مثل دفن السائحين أنفسهم أسفل الرمال والتعرف على الحيوانات البرية والمائية، موضحًا أن السياحة البيئية محدودة حاليًا ويرتبط وجودها ببعض المناطق مثل الفيوم وبحيرة قارون والصخرة البيضاء في طريق الواحات البحرية حتى الوادي الجديد والتي بدأ السائحين حول العالم معرفتها وزيارة مصر لرؤيتها
وأكد أن البحر الأحمر، حيث يتركز المانجروف، منطقة بها العديد من المناطق الأثرية والسياحية إسلامية ومسيحية، وبإمكانها أن تتكامل مع مشروع مماثل، وتابع: لابد من التعاون بين وزارة السياحة والزراعة والري باعتبار أن لديهم هيئات متصلة بهذه المواقع، كما أن لهيئة المساحة الجيولوجية أهميتها في تحديد المناطق ذات الطبيعة الجيولوجية النادرة، أما الترويج السياحي فهو دور كيانات سياحية بالتنسيق مع محافظة البحر الأحمر.. لتسليط الضوء على المواقع الطبيعية النادرة
توجد أماكن سياحية عالمية تنفق على دول، وتشكل ميزانية دولة، وفقًا لما قاله الدكتور مجدي علام، إذ أوضح أن المضي قدمًا في السياحة الإيكولوجية والبيئية ليست خطوات ترفيهية، بل أنها باتت حاليًا تتقدم السياحة الأثرية أو التاريخية، واستكمل: في الماضي كان السائح يرغب في زيارة الأقصر وأسوان والكرنك فقط وفي أوروبا مثلا يرغب في رؤية القصور القديمة، بالوقت الحالي يميل إلى التواجد بالقرب من البحار والرمال والطبيعة". واختتم كلماته قائلًا: السياحة الإيكولوجية هي المستقبل القادم وليست سياحة الأقصر وأسوان
Credits:
Created with images by sytilin - "Flying foxes on the background of mangroves. Indonesia. Komodo" • Curioso.Photography - "Gambia Mangroves. Green mangrove trees in forest. Gambia." • Freelancer - "Aerial view of mangroves in Abu Dhabi. Special eco system, natural environment." • Glen - "Western Reef Heron in Mangrove National Park, UAE" • OlegD - "Mangrove tree by the sea on the island of Zanzibar, Tanzania, Africa" • the Ocean Agency - "Roots of mangroves in Raja Ampat" • James White/Danita Delimont - "Over and under water photograph of a mangrove tree in clear tropical waters with blue sky in background near Staniel Cay, Exuma, Bahamas" • Francisco - "Young Mangrove trees in early morning light in Card Sound, Florida." • makieni - "マングローブ" • Jo - "Colorful sky reflected in water of mangrove lagoon." • LP Productions - "Sunrise over mangrove in Bacalar Lagoon. Bacalar Lagoon. Mangrove forrest. " • Curioso.Photography - "Gambia Mangroves. Aerial view of mangrove forest in Gambia. Photo made by drone from above. Africa Natural Landscape." • novito dengi/EyeEm - "Midsection Of Man Planting Mangrove Seedling Wet Field" • Angus - "Panorama of a Mangrove forest on Mu Ko Surin Island in Thailand"