Loading

رصيف نمرة 6 شهيق الحياة ولهيب الموت في الـقاهرة

قصة: تامر إبراهيم أعدها: عبدالله أبو ضيف

في يومٍ من أيام القاهرة الدافئة، هلّ الصباح حاملًا نسمات تبنأ بيومٍ جميلٍ، والشمس تُداعب وجوه المصريين بالدفء بعد موجةِ طقسِ باردةٍ، والجميع يحملون أحلامهم بقلوبهم وروتين يومهم بعقلولهم، ولا يأملون سوى بالعودة سالمين إلى منازلهم

عقارب الساعات تتسارع نحو الأمام، وتُشير إلى الساعة التاسعة صباحًا، حيث قاد علاء فتحي، جرار وريدية رقم 2302 متجهًا نحو ورش صيانة أبو غاطس، وأثناء سيره إلى مكان التخزين، تقابل مع الجرار رقم 2305، أثناء دورانه على خط مجاور عكس الاتجاه

تقابل الجرارين جعل السائق علاء فتحي يتشاجر مع سائق الجرار الآخر أيمن الشحات، ليترك علاء كابينة القيادة دون أن يتخذ إجراءات إيقاف محرك الجرار، وتوجه إلى معاتبة قائد الجرار الآخر، والذي قام بالرجوع للخلف لفض هذا الاشتباك

عقارب الساعة تتحرك ببطئ عقب التاسعة، متجهةً نحو أحد أرصفة محطة مصر، فسائق الجرار بطل الحادثة، ترك عهدته تسير دون قائد، مما أدى إلى إلى انحداره على القضبان والتحرك سريعًا نحو رصيف رقم 6 والذي يبعد عن الورشة بحوالي كيلو متر ونصف حتى وصلت سرعته لـ60 ك/س

عقارب الساعة توقفت عن بطؤها، وتلاحمت مع سرعة الجرار ليسيران معًا نحو التاسعة والنصف تقريبًا، الكثيرين يسيرون على المحطة، منهم من ذاهبًا لرحلته ومنهم من عائدٍ من أخرى.الجرار المندفع اصطدم بالتصادمات الخرسانية بنهاية الرصيف رقم 6 في محطة مصر، ليصدطم بمبنى هيئة السكك الحديدية في محطة مصر، ويفنجر تانك السولار به، وتتوقف هنا عقارب الساعة بفعل انفجار هائل وحريق كبير يلتهم المحطة العريقة بركابها الأبرياء

ما حدث قبل التاسعة والنصف غير ذلك الذي حدث عقبها تمامًا، فالوجود الدافئة صارت محترقة، والأبدان السالمة صارت فتاتًا، والأحلام الصامدة في قلوب الضحايا التهمتها نيران الإهمال وطالها الموت فجأة.سيارات الإسعاف والمطافئ حركت عقارب الساعة بعد التاسعة والنصف، فأجساد مشتعلة تهرول على الأرصفة والقضبان، وأشلاء أبرياء صارخةً تلتمس الجمع عوضًا عن تدوسها الأقدام

رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، ووزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة غادة والي، سارعوا إلى موقع الحادث لمتابعة ما جرى في المحطة الأعرق في إفريقيا.دماء الأرصفة وبقايا الأجساد المتناثرة، ومشهد تحطيم الجرار للأرواح قبل المباني، جعل رئيس الوزراء، يتوعد المسؤولين عن هذا الحادث بالمحاسبة العسيرة، مشددًا على انتهاء فترة التقاعس والسكوت عن الأخطاء التي عشناها من قبل

الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم يكتفي بتكليف الوزراء بمتابعة الحادث، بل خرج السيسي ليتحدث عن تلك الكارثة، قائلًا: "أصدرت توجيهاتي للحكومة بالتوجه الفوري لموقع الحادث ومحاسبة المتسببين فيه، بعد إجراء التحقيقات اللازم، ورعاية المصابين".تم تشكيل لجنة فنية رفيعة المستوى من هيئة السكك الحديدية، لإعداد تقرير فني عن انفجار تانك السولار الخاص بالجرار، عقب اصطدامه برصيف رقم6

سيارات الإسعاف نقلت العشرات إلى المستشفيات، بين قتيلًا ومصابًا، ومن القتلى من احترقوا احتراقًا كاملًا ولم يتم التعرف على هويتهم، بحسب ما قالت وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد.الوزيرة أكدت أن 30 سيارة إسعاف عملوا على نقل المصابين إلى أكثر من 5 مستشفيات

والمتحدث باسم الصحة، الدكتور خالد مجاهد، قال إن المؤشرات تقول أن 20 حالة وفاة و40 مصابًا على الأقل، عقب حوالي 4 ساعات من الحادثة.لم يمر أكثر من 5 ساعات على الحادثة، حتى تقدم المهندس هشام عرفات، وزير النقل، باستقالته من منصبه، عقب تلك الكارثة، ليكلف رئيس مجلس الوزراء، وزير الكهرباء الدكتور محمد شاكر، بتسيير أعمال وزارة النقل وتمثيل وزيرها في الاجتماعات

قسوة المشاهد على "رصيف نمرة 6"، جعلت النائب العام، المستشار نبيل صادق، اليوم، يأمر بتشكيل فريق من النيابة العامة لفتح تحقيق عاجل وموسع في حادث محطة مصر.شهود العيان نطقوا بما رأته أعينهم من كارثةٍ قاسيةٍ، إذ قال محمد عادل، أحد شهود العيان، إنه كان من المقرر أن يسافر إلى أسيوط، وكان متواجدا علي رصيف رقم 11 ليستقل القطار، مضيفًا: “فجأة لقينا جرار داخل في المبني اللي في وشه وتسبب في اشتعال نار رهيبة جدًا، والنار كلت الأشخاص جنب الجرار”.وأضاف عادل في تصريح لـ”القاهرة24″: "مفيش قطار ييجي بالسرعة ديه وكان سريع جدًا أول مرة أشوف قطار بيجري كدا وخد ضحايا كتير

المشهد كان فظيع جدًا بس الحمد لله”.هُناك ناجي من تلك الكارثة، هو سامح رشدي، البائع في مكتبة “قصر الشوق” الكائنة بمحطة مصر، الذي قال إنه فوجئ بصوت مثل القنبلة، فهرول نحوه ليجد النيران مشتلعة في الركاب.الناجي من نيران الموت، أشار إلى أنه مهما قال فلن يصف صعوبة الموقف، متابعًا: “النارمش طبيعية، كانت بتطير وتاكل في الناس”.وتابع رشدي: “نزلت جريت النار كان هتاكلني وكل لما تمسك في جزء مني أطفيها، ولقيت الممر مقفول حسب شاهد عيان

ولأن في بلادنا كل شئ له ثمن، فالموتى وضحايا أي كارثة ينالهم من التعويضات حظًا، فرئاسة مجلس الوزراء، على لسان الناطق باسمها نادر سعد، قالت إنه سيتم صرف 80 ألف جنيه للوفيات والمصابين بعجز كلي، و25 ألف جنيه للمصابين في الحادث.فيما قال محمد أبو اليزيد، رئيس مجمعة التأمين من أخطار حوادث قطارات السكك الحديدية والمترو والطرق السريعة المميزة، إنه سيتم صرف مبلغ 30 ألف جنيه لذوي كل متوفي من المتوفين في حادث قطار محطة مصر فيما تتباين قيمة التعويض للمصابين بحسب كل حالة

المشاهد المؤلمة تطايرت سريعًا كما تطايرت أشلاء الضحايا، الأمر الذي دفع المصريين إلى النزول سريعًا نحو المستشفيات للتبرع بالدماء للمصابين من الحادث.الموتى نقلوا إلى المشرحة، وانتقل فريق من نيابة جنوب القاهرة، برئاسة المستشار مصطفى بركات، لمناظرة جثث الضحايا في مشرحة زينهم، لإعداد تقاريرهم وتسليمها لفريق من نيابات شمال القاهرة، وفريق من نيابات الاستئناف

التحقيقات تسير على قدم وساق مع سائقي الجرار المتشاجرين، وخاصةً علاء الذي تسبب في كل تلك الكارثة وكل هؤلاء الضحايا، فيما أعلن محرك البحث الشهير “جوجل”، الحداد على ضحايا ومصابي الحادث الأليم الذي وقع في محطة مصر برمسيس، دون حدادًا من أحد في بلادنا

"المفروض الجرار مكنش يطلع من مكانه.. بصيت لقيت الجرار بينطلق ومش عارف مشي إزاي، وياريتني بطلت الجرار وقتها، وحاولت اتصل بالبرج، كان ممكن يحطه في حتة أمان، مردش عليا.. اتصلت بأحد الأبراج ومردش عليا وكان ممكن ميحصلش الكارثة ويوجه القطر لمكان تاني".تلك الكلمات نطق بها سائق الجرار رقم 2302، علاء فتحي، الذي تابع: "الحادث خارج إرادتي، أنا أساسًا أعصابي تعبانة، وكنت تعبان، ويارتني منزلت، مفيش حاجة يكون متعمدًا،فيه حادثة حصلت، فنزلت، فيه حد يتعمد يؤذي نفسه، هو الجرار في السكة الحديد سواق بس، هاتوا لجنة فنية وافحصوا الجرارت شوفوها ينفع تشتغل ولا لأ"

24 ساعة فقط مروا على الحادث، وعقارب الساعات عادت لتشير نحو التاسعة والنصف صباحًا، فكنا على موعد جديد مع الموت، فتوفي المسعف خالد عبد المنعم، سائق السيارة 2379 تمركز رمسيس، متأثرًا بإصاباته في حادث جرار محطة مصر

وعقب ذلك بحوالي ساعة، توفي شابًا آخر يُدعى بطرس، وكان متواجدًا بمعهد ناصر، لم يكن يتعرف عليه أحد، حتى قدم أهله وأخبروا الأطباء أنه كان يرسم وشمًا وصليبًا على يده.مشرحة زينهم كانت على موعد مع البكاء والعويل، فعدد الجثث التي وصلت إليها حوالي 11 جثة، تسارع أسر أصحابهم نحو المشرحة أملًا في استخراج تلك الجثث لدفنها إكرامًا لموتاها

هُناك بمحطة مصر، حيث تكون رحلات الذهاب والإياب، حيث يرتحل المصريون نحو أفراحهم وأحزانهم، ولا يكن بمخيلة أحدهم أن تكون المحطة ذاتها رحلته الأخيرة دون أن يستقل قطارًا، هُناك في المحطة العريقة كان شهيق الحياة وزفير الموت، وصارت العاصمة اسمها ولقبها الـ "القاهرة"

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a copyright violation, please follow the DMCA section in the Terms of Use.