آلام بالمعدة وتشنجات بعضلات الرحم، وجع في أسفل الظهر وصعوبة في الحركة، تغيرات هرمونية وتقلبات مزاجية.. هذه هي الأعراض المُتعارف عليها، وتحفظها كُل سيدة عن ظهَر قلب، إذ تزورها مرة كل شهر مع بدء الدورة الشهرية، لكن ماذا إذا تحوّلت إلى ألم لا يُحتمل؟
شهد جارور، سيدة سوريّة، وهي إحدى المُصابات بمتلازمة بطانة الرحم المهاجرة أو «الاندومتريوزيس»، اُصيبت بها بعد ولادة آخر طفل لها ولادة قيصرية، لازمتها كما ظلّها قبل وبعد فترة الدورة الشهرية، وعلى وصفها للأمر لموطِن «الوجع»: من الحالب للحوض مكان جرح القيصرية
وظنًا منها أنها أعراض ملازمة للولادة القيصرية لجأت إلى المسكنات، لكنها فشلت في تخفيف شدة الآلام، فزارت طبيبها الخاص لاكتشاف السبب، والذي وصفه بـ«ألم عادي»، مما دفعها للتحامل على نفسها لمدة عام، حتى انتهى بها الأمر في سيارة إسعاف تنقل «سيدة ليست حامل تعاني من آلام طلق الولادة»، وقال الأطباء أنها تعاني من الاندومتريوزيس
ما هي متلازمة الاندومتريوزيس؟
متلازمة الاندومتريوزيس أو ما تسمى بـ«التغمد الرحمي»، «انتباذ بطانة الرحم»، و«بطانة الرحم المهاجرة»، هي أنسجة مشابهة لتلك الموجودة في بطانة الرحم، لكنها تتكون خارج الرحم وتتماثل مع بطانة الرحم في أنهما تستجيبان للهرمونات التي يفرزها المبيض بنفس الطريقة
وتبدأ المشكلة التي تتسب بهذه الآلام بالظهور عند نهاية الشهر، فكما هو متعارف عليه تبدأ نسبة هذه الهرمونات بالانخفاض في الدم، مما يؤدي إلى تلاشي الأنسجة المبطنة للرحم وخروجها على هيئة دم الدورة الشهرية، وهُنا تكمن الأزمة لأنها لا تجد طريقة للخروج، فتبدأ بالتجمع حتى تلتصق بجدار الحوض أو المبايض مشكلة أكياسًا مليئة بالدم الفاسد، وفقًا للمعلومات الواردة على موقع منظمة الصحة العالمية
أما عن أسباب تكوينها، فهي غير معروفة حتى الآن، وهذا ما يجعل نسبة تشخيصها في أغلب الأحيان يتم بطريقة خاطئة، ومن أهم أعراضها تأخر الحمل، والنزيف في فترة الدورة، الشعور بالآلام قبل وبعد الدورة، وجود تجمعات دموية كثيرة في الحوض أو على المبيض، وغيرهم
«اتهمتني طبيبتي بالمبالغة»
بالعودة إلى قصة «شهد»، اكتشف الأطباء داخل المستشفى وجود خلايا مكونة من «بقايا دم»، مما جعلها تخضع لعملية جراحية أخرى مشابهة لعملية الولادة القيصرية لتنظيف هذه الخلايا، وسرعان ما عادت الأمور كما كانت مع بداية الدورة الشهرية الجديدة، مما جعلها تخضع لعملية أخرى في فترة لم تتجاوز الستة أشهُر
الأطباء الألمان لم يكتشفوا الأمر، بل اتهمتني طبيبتي بالمبالغة، فقد اعتقد الأطباء أنها تجمعات دموية بسبب الولادة الأخيرة، بينما هي تجمعات دموية بسبب «بقايا دم الحيض»، وبعد معاناة مع المتلازمة دام لمدة عامين دون تشخيص واضح، دلتها إحدى صديقاتها على طبيبة مصرية وهنا اكتشفت الأمر، وقامت الطبيبة بشرح المتلازمة لها وبدأت باتباع العلاج المناسب لها، فبعد فشل العمليات اتجهت للعلاج الهرموني
ومن هُنا، أصبحت «شهد» في تحدٍ جديد، فالعلاج الهرموني هو عبارة عن حبوب تعمل على إيقاف الدورة الشهرية لمدة عام، والغرض منه هو ظبط هرمونات الجسم التي تتسبب في التجمعات الدموية، وفي حالة فشل العلاج في إيقاف هذه التجمعات سيلازمها العلاج الذي وصفته «علاج قاتل» نسبًة لأعراضه الجانبية مدى الحياة
واختتمت «شهد» حديثها عن المتلازمة قائلًة: «ما بتمنى لأي أنثى أن تصاب بهذا المرض المؤذي»، فعلاجه يسبب اكتئابًا حادًا وصداعًا مستمرًا، كما أنه يجبرنا على إزالة الرحم عند سن الـ 40 في حالة عدم الشفاء منه
العلاج بالحمل
أجمع الأطباء أن ما تشعُر بهِ «شيماء» مجرد آلام عادية، ستذهب مع الحمل والولادة، كما هو الحال مع عدد كبير من الفتيات، أو أنها آلام تُصِبها وقت الاكتئاب أو الحزن الشديد، لكنها لا تشعر بهذا خصوصًا وأن الألم مصاحب لها منذ بداية بلوغها، وتأكدت شكوكها عندما قرأت عن المتلازمة
تزوّجت «شيماء» منذ 9 سنوات، إلا أنها لم ترزق بأطفال حتى الآن، فلم تعُد تشعر بآلام فقط، بل يملؤها الشك بأن المتلازمة ربمّا أصابتها بـ«العقم»، كأحد الأعراض التي ذكرتها منظمة الصحة العالمية
ولادة مبكرة
لم تختلف حالة «دعاء» عن نظيراتها كثيرًا، فقد أُصيبت بالمتلازمة بعد آخر ولاده لها منذ 8 سنوات، وعلى الرغم من إنجابها لـ4 أطفال إلا أن الولادة الأخيرة كانت متعسرة، فقد جاء طفلها في الأسبوع الأول من الشهر السابع، ولأنها لم ترغب بالإنجاب مرة أخرى خضعت لعملية ربط عنق الرحم
ولأنها لم تتعمق بشكل كبير في الأعراض الجانبية لهذه العملية، ظنت في البداية أن انقطاع الدورة الشهرية بسببها، ومع استمرار الألم قررت الذهاب للطبيب وكالعادة لم يتم تشخيصها بشكل صحيح، حتى أُصيبت بعد 4 أشهر بتكيس دموي على المبيض أو ما يسمى بـ«كيس الشوكولاتة»، لتخضع لعملية جراحية للتخلص منه
وأكملت حديثها قائلة: «الأطباء في أوروبا لا يمتلكون المعلومات الكافية لتسعفهم في مجالهم»، فبسبب العملية التي قامت بها تم تشخيصها بشكل خاطئ، على أن هذه الآلام بسبب خضوعها لعملية الربط قبل سن الأربعين كما هو متعارف عليه
ومع المحاولات الكثيرة وزيارة الأطباء داخل وخارج مصر، اكتشفت أخيرًا أنها مصابة بمتلازمة الاندومتريوزيس، لكن وصولها للمرض لم يكن كافيًا بالنسبة لها، فمازالت تتسائل عن سبب إصابتها به فجأة دون سابقة إنذار رغم ولادتها أكثر من مرة دون أي خلل
وبدأت رحلة معاناتها بعد اكتشافها للمرض مع «حقن الهرمونات» كل 3 أشهر كعلاج لها، ورغم محاولاتها لخضوع عملية «إزالة الرحم» كحل نهائي لها إلا أنه لم يُصب، ف بسبب التشخيص الخاطئ تفاقم الأمر واصبح المبيض مكانًا للتجمعات الدموية، وخضوعها في سن صغير لإزالة كلًا من المبيض والرحم عواقبه ستكون وخيمة
واختتمت حديثها بأنها آلام لا يمكن تحملها بأي شكل من الأشكال، خاصًة وأن الأعراض الملازمة لها قاتلة ومميتة، وتؤثر بشكل سلبي على ممارسة الحياة اليومية فيما بعد، ولم تستطع إخفاء شعورها بالشفقة على الفتيات المصابات بهذه المتلازمة وهن آنسات، لأن علاجها سواء كان حقن أو حبوب هرمونية، عمليات جراحية، أو الحمل لا يصلح معهن إلا بعد الزواج
علاج مُحتمل
في يناير 2022، نُشرت ورقة بحثية أعدها مجموعة من أساتذة قسم جراحة الصدر بالمعهد العلمي وجامعة أوسبيدال سان رافاييل بميلان في إيطاليا، وكان عنوانها: علاج متلازمة الانتباذ البطاني الرحمي الصدري
وشرحت الدراسة تعريف متلازمة الانتباذ البطاني الرحمي الصدري: «اضطراب نادر يتميز بوجود أنسجة بطانة الرحم الوظيفية داخل تجويف الصدر، ما يصل إلى 80٪ من النساء المصابات بالانتباذ البطاني الرحمي المصاحب، يتم تحديد المسار التشخيصي العلاجي من قبل كل من جراحي الصدر وأطباء أمراض النساء، بما يتوافق مع مظهر المرض
وكان الهدف من الدراسة هو تحليل المناهج المختلفة لتوليد خوارزمية مثالية للتشخيص والعلاج يمكن أن يتشاركها كلا التخصصين، من خلال البحث عن الدراسات التي اكتملت بحلول مارس 2019، والتي تضمنت 8 مرضى على الأقل مصابين بالمتلازمة، وتم جمع معلومات عن فحوصات ما قبل الجراحة، والتقنية الجراحية، وإدارة ما بعد الجراحة
وخلصت الدراسة إلى ضرورة إدارة المتلازمة بشكل مشترك من قبل جراحي الصدر وأطباء أمراض النساء، كما يبدو أن التصوير بالرنين المغناطيسي للصدر والبطن يقدم معظم التفاصيل للمتلازمة، ويمكن أن يوفر تنظير الصدر بالفيديو وتنظير البطن مجتمعين أو مرحليين معلومات كافية لضبط العلاج الجراحي المناسب والعلاج الطبي بعد الجراحة
لا خطر في العلاج على الآنسات
من جهته، أوضح دكتور خالد أمين، إخصائي التوليد وأمراض النساء، أن مرض «بطانة الرحم المهاجرة» يصنف كأحد الأمراض الصعبة بسبب صعوبة اكتشافه، فهو لا يظهر في أيًا من السونار أو الرنين المغناطيسي، كما أنه يعتبر من الأمراض التي تتشابه أعراضه مع عدة أمراض آخرى
فالنزيف الذي يسببه يتشابه مع الأورام الليفية وتكسيات المبايض، والآلام المصاحبة للدورة الشديدة يطلق عليها «عُسر الدورة الشهرية»، وقد تتشابه باقي الأعراض مع دوالي الرحم أو حصوات الحالب، وآلام المسالك البولية وغيرها
ولا يعتبر طريقة التعرف عليه هي الصعوبة الوحيدة التي تواجه المصابات به، بل طرق علاجه آيضًا صعبة، فالعلاج الأنسب له والأكثر انتشارًا هو العلاج الهرموني، ويطلق عليه ايضًا أسم «العلاج التشخيصي»، وتتجلى صعوبته في تأثيره على بطانة الرحم الرئيسية مما يجعله علاج غير مرغوب فيه
ويرى دكتور «أمين» أن العلاج الأنسب لهذه المتلازمة هو الحمل والولادة، وذلك يتم في حالة رفض المريضة إتباع العلاج الهرموني، سواء كان السبب اضطراب في الهرمونات، أو خوفًا من زيادة الوزن ، فبطانة الرحم الأساسية تضمحل في فترة الحمل لأقصى درجاتها
وتكمن مشكلة الولادة في أن المتلازمة تتسبب في العقم أو تأخر الحمل، مما يجعل المريضات يلجأن للحقن المجهري، واستكمل «أمين» حديثه بأن السيدات اللاتي يولدن ولادة قيصرية هم أكثر عُرضًه للإصابة بها، فارتفاع معدلات الولادة القيصرية تعتبر من أهم الأسباب التي أدت للإصابة به
العلاج في الأساس مصنوع لهذه الحالات، هكذا اختتم «أمين» حديثه عن الشائعات التي تمنع الفتيات قبل سن الزواج باتباعه، فقال: لا أجد مبررًا لإجبار الفتيات على تحمل هذه الآلام بحجه أنه لا يصلح لهن قبل الزواج، فلا علاقه له بالزواج من الأساس
Credits:
Created with images by ipuwadol - "IT consultant is setting up a Document Management System (DMS). Archiving software for business files. Laptop computer in the office." • tinyakov - "Doctor using digital tablet, modern technology in medicine and healthcare concept on blue background" • Khunatorn - "Medical doctor or physician staff in white gown uniform with stethoscope in hospital or clinic service, healthcare concept."