من جبال لفتا وشجرها المعبق برائحة زهر النوار وبيوتها المرسومة بالحجارة القديمة كانت البداية، بداية الطفلان الشقيقان علي وأحمد زماعرة من قرية دير غسانة، يتجول الطفلان علي وأحمد في شوارع وقرى فلسطين ليصلان إلى مرحلة تأسيسٍ مبكرة لِـ مبادرة يطلق عليها مسمى " هذه فلسطين" على مواقع التواصل الاجتماعي؛ والتي تهدف إلى توثيق القرى والمدن والبلدات الفلسطينية عن طريف مقاطع فيديو قصيرة يحكيها هذان الطفلان
بعد حِصة دراسية كانت تحتضن الطفلان في مدرستهم تحدثت عن القرى المهجّرة؛ خرج أحمد وفي عقله تدور فكرة توثيق القرى الفلسطينية، وفي ظل أن أحمد كان يحلم بزيارة قرية لفتا وبإصراره الشبابي رُسم الحلم وطبّق على أرض الواقع
وما أن لبث أحمد، حتّى عرض على أخيه على أن يخرجا بعينٍ موحّدة تتحدث عن الاماكن التي حرم وهجر منها الفلسطيني، ولفتا المهجرة كانت وجهت الأخوين، فبدأوا بجمع ما يعينهم على التصوير " الهاتف" وانطلقوا.
من حلم صغير..لابداع كبيرة
أحلام صغيرة وبعض أفكار هنا وهناك، بدأت من درسٍ مدرسي لتصل إلى الواقع الفعلي، أحلام جعلت أحمد يرسمها في ذهنه لعلها تتحقق ذات يوم، أحلام جمعت الوهم بالإرادة فبعد محاولات عديدة تمكن أحمد من زيارة قرية لفتا المهجرة ليوثّق بهاتفه مقاطع من جمال لفتا ليبدأ بسردها بفيديو تعريفي
"هذه فلسطين"
وفي عيون شابان صغيران بدأت الرحلة، يقوم الشقيقان بزيارة الأماكن الفلسطينية وتصويرها وتوثيقها من خلال مقاطع فيديو ونشرها عبر صفحة خاصة لهم على موقع الفيس بوك تحت مُسمى "هذه فلسطين" وما أن رسخّت وجودها حتى لاقت تفاعل كبير بين الناس.
يقول الشقيقان أنهما بدأوا بتصوير فيديوهات تخزّن الأماكن الجميلة والتراثية الفلسطينية في ذاكرة الهاتف، ليتم نشرها فيما بعد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
طموح ومثابرة
يشرح الشقيقان، على لسان علي، أنهما قبل أن يعزموا التصوير في منطقة معينة يجلسان في زاوية المنزل يبدأوا التخطيط لسيناريو التصوير وجمع المعلومات عبر الإنترنت والمقابلات الخاصة مع أهالي القرية المراد تصويرها برصد حديث " كبار السن" على اعتبار أنهم الأصدق والأجمل في إعطاء المعلومة.
ومثل ما هو متعارف أن ليست كل القرى الفلسطينية المهجّرة ذكرها التاريخ أو حتى الإنترنت ف ما زلنا إلى اليوم نعيش على وقع سماع بعض القرى التي ظهرت وعاشت المجازر فيها والتهجير، فكيف يتصرف الشقيقان حيال هذا الموضوع؟ وكيف يصلا إلى القرى المهجرة؟
يقول علي أن الدخول إلى القرى الفلسطينية المهجرة تشكل تحدٍ كبير من إمكانية تسهيل الدخول ومحاولة التصوير بشكلٍ يناسب المادة المراد نشرها، وفي شقٍ آخر تحدٍ في محاولة العثور على القرى المهجرة رغم كل محاولاتِ الإخفاء لها.
أما على صعيد الشاب الطموح أحمد، فيقول واصفاً أخيه بالمتمرد وصاحب الإرادة؛ وذلك لأنه عزم على تعلم المونتاج بنفسه عن طريق اليوتيوب، واسترسل أحمد القول: " إن العمر بالنسبة لنا هو مجرد رقم، وأن كل إنسان يعزم العمل بما تهوى نفسه وترغب وما نحن عليه اليوم هو صنيعنا أمس".
يتابع احمد الحديث عن ما واجههُ من مشاكلٍ حاول أن يتخطاها بعزمه ودعم أخيه، يقول: " عند الحديث أمام الكاميرا لم أكن على علمٍ تام بكيفية التصرف أمامها كثيرة الصوت مثلاً متى ترتفع ومتى تنخفض إلا أن الممارسة المستمرة ساعدت في كسر هذا المحور بالإضافة إلى كسر الخجل"
ويكمل أحمد الحديث بحبٍ عن فلسطين في وصفه أن مياه فلسطين لا تتوقف، وأن المبادرة هذه تهدف إلى إظهار كلِ شبرٍ في فلسطين من شمالها إلى جنوبها
" فلسطين كلها إلنا 27 ألف كيلو متر مربع ولو يصلحنا ناخذ الجولان بنقصرش إحنا فلاحين وطماعين".
وأكد الشاب الصغير أن هذا الحلم الذي بدأ في كاميرة هاتف صغيرة لن يتوقف في ظل أن أكثر من 535 قرية مهجرة معروفة وغير الكثير غير معروف ما زالو في جبّات الغيب.
ونوه أن لكل مواطن فلسطيني طريقته الخاصة في عرض ما يناسبه عن قضيته، وأن عملهم هو ان يكونوا أعين الناس الذين هجّروا من فلسطين، لتوثيق قراهم التي هجّروا منها ولم يروها منذ سنوات او حتى لم يروها من الأصل ذاته.
هذان الشابان في مرحلة التقدم ومحاولة الخروج عن المألوف فهم يسعون إلى إنشاء رحلة افتراضية تتيح لكل حالم بزيارة هذه الأماكن أن يزورها من خلال التنقل بين القرية والأخرى من عند النبعة.
من الداعم؟
مبادرتهم الوطنية هذه وصلت إلى عيون الناس بالفعل، فقد وصلتهم الكثير من الرسائل المشجعة والداعمة لهم ومن بينها رسالة من الأسير الأشقر.
وفي زاوية الاستمرار، اشاروا الشابان أن الدعم النفسي الذاتي شكّل لهم نواة تقدّمٍ، ف عبّروا أن الإنسان بطبيعة الحال يسير نحو التطور من نفسه، ودائماً يميل لفعل ما ترغب النفس إلى فعله وتحويله إلى ثوابت واقعية.
ووجهوا رسالة لكل من يرغب بسماعها أنه على الإنسان أن يعلم أن السهم يختلف في اتجاهه بكل مرة يطلق فيها من القوس، وهكذا على الإنسان أن يركض خلف حلمه هو وليس حلم أهله وما يردون أو يخشوع على اعتبار أن سهمهم لم يمر من الطريق التي مررنا بها.
وأن العناد وراء الحلم يصل إلى التحقق لا محال وما ميّز هذان الشابان أنهما لم يبقوا في دائرة الراحة التي يقطن فيها العديد من الناس بل لحقوا حلمهم ووصلوا إلى طريقه.
ووراء كل نجاحات تقبع المعيقات، ف لا يوجد نجاح بلا صعوبات فهي التي تعطي للنجاح اللذة، فيقول الشابان أن المواقع التي يصورونها أي القرى المهجرة في كثير من الاحيان يوجد عليها حظر التصوير من الاحتلال اولاً، ومن الفيسبوك ثانياً لاعتبارها مقاطع مخالفة لقيم مجتمع الفيسبوك ف تحذف او تحظر وفي كثير من الأحيان تعلّق نسبة الوصول إلى الجمهور؛ إلا أن هذا لم يثني الشابان عن الاستمرار في الطريق التي عزموا على الدخول فيها.
وإحدى الصعوبات الذاتية،هي مرحلة التطور فيقول الشقيقان أنهما في بداية الأمر لجأوا إلى مشاهدة الكثير من التدريبات عبر اليوتيوب في الإلقاء والتصوير والمونتاج.
ومع كل هذا، الأم والأب للشقيقان ساهموا في إعلاء والديهما نحو حلمهم ف ساعدوهما في تسهيل معرفة الزيارة لتلك الأمكان.
وقالوا في نهاية حديثهم، نحن الآن نستيطع القول بأننا وصلنا إلى ما يقال " التطور" عن سابقاً والفرق بات يظهر على المخرج النهائي للمادة التي تصور وتنشر عبر الفيسبوك.
الكثير مثل أحمد وعلي من شبان فلسطين، والكثير يعبّر بطريقته الخاصة إلا ان هذان الشابان حملا مسؤولية الوطن عن صغرٍ بحبٍ وشغف، وكأنهم يقولون إن لم تكن بوصلتك فلسطين فأنت تقبل بوجود الاحتلال على أرضك.