استطاعت رحاب فؤاد تخطي الصعوبات الاقتصادية، الانيميا الحادة والإنهاك الجسدي الذي تعاني منه منذ تشخيصها باضطرابات الدم الوراثية – قبل أن تكمل عامها الأول.
ولكن معاناة رحاب اليوم هي مصدر قوتها – صامدة وعازمة على تحقيق أهدافها، وتعيش أيامها بإيجابية ولتحقيق هدفٍ مهم.
الثلاسيميا هو المرض الذي جعل رحاب تعيش تجربة منهكة مليئة بالضعف البدني، والإعياء، والنبض المتسارع، وضغوط بدنية ونفسية عديدة أخرى. أدى هذا المرض إلى نقصان الأكسجين في كريات الدم الحمراء، كما أدى إلى معاناتها من ترسب الاصبغة الدموية، أو ما يُعرف بزيادة نسبة الحديد في الدم، الذي قد يتسبب بأضرار كبيرة على أعضاء مختلفة بالجسم وقد يؤدي إلى الوفاة.
"حين كنت طفلة، ولوقت طويل، لم أكن أعرف ما الذي بي ولما أنا مريضة. كل ما كنت أعرفه أن جسدي ليس بخير، وأنني كلما أصبت بالتعب يأخذني والديّ للمشفى للفحوصات ولنقل الدم"، تقول رحاب. "عمري الآن ٢٣ عاماً، أنا أبنه وأخت، كما أنني في عامي الجامعي الأول بتخصص نظم معلومات إدارية".
تخطي الصعاب
نقل الدم شهرياً يُعد شريان الحياة بالنسبة لرحاب، لكن ليس هناك ضمان لاستمراره. اقتصاد اليمن المتدهور، زيادة التضخم، انقطاع الوقود المتكرر، وقلة المراكز الصحية العاملة تُعد من أكبر الأخطار على أرواح مرضى الثلاسيميا. بحسب بيانات نظام المراقبة لتوفر المواد والخدمات الصحية للعام ٢۰٢٢م، هناك ٥١ في المائة فقط من المرافق الصحية في اليمن التي تعمل بشكل كامل، بينما ٤٩ في المائة إما تعمل بشكل جزئي أو متوقفة بشكل تام.
هذا بالأساس يعني أن هناك عدد قليل جداً من العاملين الصحيين، بالإضافة إلى نقص في الأدوية، والموارد اللازمة لضمان توفر الفحوصات، إمدادات الدم، والدواء – وهي أشياء أساسية عليها مرضى الثلاسيميا للحفاظ على حياتهم.
لكن رحاب مثابرة ومستمرة بعزيمة متقدة، وبدعم مستمر من أسرتها، التي اضطرت للانتقال من إحدى مناطق محافظة تعز الريفية إلى العاصمة اليمنية، صنعاء – قبل ١٨ عاماً – للوصول إلى الخدمات الصحية الضرورية لرحاب. صنعاء هي المدينة التي تعمل فيها الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا والدم الوراثية لتضمن أن رحاب قادرة على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الجيدة على المدى الطويل.
"في العام ٢۰۰٥م، قمت بالتسجيل في الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا والدم الوراثية. فقط حينها، وأنا في الخامسة من عمري، استطعت أن أبدأ حياتي بصورة طبيعية – بصحة جيدة."
"ليس هذا فقط، لكن الجمعية اليمنية كانت دائماً تدعمني بالعلاج، الدواء والفحص. كما قدموا لي خدمات الدعم النفسي".
مؤسسة غير ربحية تقود المعركة ببسالة
في العام ٢۰۰٥م، كانت رحاب واحدة من إجمالي ١۰ مرضى آخرين مسجلين في الجمعية اليمنية. اليوم، أكثر من ٥,۰۰۰ مريض يحصلوا على الفحوصات، الأدوية، والعلاج – وهذا بفضل المؤسسة غير الربحية التي تواجه الثلاسيميا وأمراض الدم الوراثية في اليمن.
"تقوم الجمعية اليمنية بتزويدي وتزويد مختلف المرضى بالدعم النفسي، الصحي، والمادي. هم بكل بساطة عائلتي"، وتضيف رحاب، "دائماً ما أذهب إلى هناك عندما أشعر بالتعب – يقوموا دائماً برفع معنوياتي!"
"تعمل الجمعية اليمنية على تزويد المرضى بالفحص، الدواء والدعم النفسي دون انقطاع – مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات لكل حالة"، يقول الدكتور مختار إسماعيل، مدير المركز العلاجي لمرضى الثلاسيميا وتكسرات الدم الوراثية في الجمعية اليمنية. ويضيف: "لطالما كانت رحاب مناصرة وداعمة لمرضى الثلاسيميا وتكسرات الدم الوراثية – خصوصاً الأطفال والشباب. إيجابيتها الدائمة كانت مصدر إلهام للأطفال، كما شجعتهم على تخطي نظرات الآخرين حول وضعهم الصحي وقامت بدعمهم ليعيشوا حياتهم بشكل طبيعي".
تواصل رحاب بتأثر : "جميع الأطباء والعاملين في الجمعية اليمنية يعطوننا الرعاية والمحبة. كما أنهم يعاملوننا جميعاً باحترام شديد. يحرصوا دائماً على إمداد مخزون الدم ويقوموا بالفحوصات اللازمة لجميع المرضى، وعلى الرغم من جميع الصعوبات التي قد يمروا بها إلا أنهم يقومون بعمل المستحيل لضمان حصولنا على المساعدة التي نحتاج إليها".
بدعم من منظمة الصحة العالمية ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، تستطيع الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا والدم الوراثية أن تقدم خدمات مخبرية غير منقطعة لجميع مرضاها. يُعد الدعم أحد المكونات الأساسية لمشروع تابع لمنظمة الصحة العالمية بتمويل من مركز الملك سلمان للإغاثة لتعزيز القطاع الصحي في اليمن عبر تزويد المرافق الصحية والمختبرات بالأدوية، المعدات والإمدادات الطبية الأساسية.
الفرق الذي أحدثته الجمعية اليمنية في حياة رحاب لا يمكن تخيله. "بخلاف الأشخاص الذين يعيشون في المناطق النائية والذين لا يمكنهم توفير تكاليف السفر، المرضى في صنعاء يمكنهم الوصول إلى الخدمات بشكل مستمر"، تقول رحاب. "بالإضافة إلى هذا، العديد من الأشخاص لا يتقبلوا مرضى الثلاسيميا. يعتقد العديد منهم أن هذا المرض معدٍ ومضر للآخرين. وغالباً ما يتجاهلوا حقيقة أن مرضى الثلاسيميا هم بشر فوق كل شيء آخر".
من التعرض للتنمر إلى دعم الآخرين
تتذكر رحاب تعرضها للتنمر في طفولتها لأنها كانت أضعف وتصاب بالإرهاق أسرع من غيرها. "كان الأطفال يرفضون اللعب معي"، تقول رحاب. "لكنني وقد كبرت الآن، صادفت العديد من الأشخاص الرائعين الذين يتقبلونني كما أنا".
"قد نصاب بالإرهاق أسرع من غيرنا، وكما اننا أيضاً نحتاج للفحوصات والدواء ونقل الدم طول حياتنا، لكن هذا لم يكن خطراً بأي شكل على صحة الآخرين".
تقول رحاب بأن أحد أحلامها هو أن تصبح مناصرة وإحدى المؤثرات الإيجابيات للأشخاص الذين يعانون من أمراض الدم الوراثية في اليمن. "أُشارك دائماً في حملات الدعم على التلفاز، في المدارس، الجامعات، المراكز الصحية، وفي المؤسسات الحكومية"، تضيف رحاب.
إحدى هذه الحملات تركز على أهمية فحص أمراض وتكسرات الدم الوراثية قبل الزواج للنساء والرجال في اليمن.
كما تؤمن بأن دورها هي وغيرها من الفتيات في المجتمع اليمني للثلاسيميا يكمن في نشر ورفع الوعي بأهمية فحص ما قبل الزواج كأداة وقائية من أمراض الدم الوراثية – هذه الفحوصات تُعد إجراءً أساسياً لتحديد ومنع الزيجات بين ذوي الاستعدادات الوراثية لأمراض الدم الوراثية.
"نحتاج لدعم بعضنا البعض، وأن نقف في وجه جميع الصعوبات. لا يجب أن نسمح لوضعنا الصحي أن يعوق طموحنا بالعيش والدراسة". وتختم رحاب بقولها: "عائلتي تقول لي دائماً بأنني مصدر فرحتهم وقوتهم – طالما وأنا قوية، فهم أقوياء".
قصة: شذى الإرياني وكيفين كوك، منظمة الصحة العالمية في اليمن
الصور: © منظمة الصحة العالمية / قمرة للأفلام