لا تنطفئ شموع الكنيسة، وهم مثلها.. فرغم أنهم فقدوا بصيرتهم منذ الصغر، إلا أن الألحان الكنسية (التراتيل) لا تجري فقط على ألسنتهم بل تحفظها قلوبهم منذ عقود من الزمان..يشدون بألحانهم في كل صلوات ومناسبات كنيسة، لذا فهم "حرّاس الألحان" القبطية أو كما يعرفون بـ"المُعلم الكنسي"، تفتح لهم الحياة ذراعيها، تعويضًا عن فقدانهم نور أعينهم، تتعالى أصوات التقدير والحُب بين عائلاتهم ومجتمعات الكنائس الأرثوذكسية بين القرية والمدينة
إلا أن دورهم اليوم، داخل الكنيسة أصبح مهددًا بـ"الانطفاء"، بعد أن أغارت عليهم التكنولوجيا والتطور العلمي، لتهمّش دورهم في حفظ الألحان الكنسية، وتراجع دورهم التعليمي في نقلها من جيل إلى جيل، وكاد يندثر في عصرنا الحديث.. هي رحلة من الألم الممتزج بالأمل في صراع مع الزمن، هل تعود للحياة ابتسامتها يومًا أم تدير الأيام وجهها مرة ثانية؟
تبدأ الحكاية داخل منزل فايز بقطر توفيق، في مدينة البحيرة، بفقدانه البصر في الشهور الأولى من ولادته، بعدما أصيب بحمى شديدة تركت أثرها على العينين وتحديدًا الشبكية دون وجود حلول طبية تعالج حالته داخل محافظته، منذ حوالي 50 عامًا من الآن، لم تكن تلك هي النهاية بل بداية رحلة حب تجمعه بالألحان الكنسية (وهي تراتيل تتلى في كل المناسبات والصلوات بالكنيسة الأرثوذكسية). يلاحظ والد أمه -الذي عكف على تأدية دور عائل الأسرة بعد وفاة الزوج والأب بقطر- أن الصغير الذي كبر ليقترب عمره من الثامنة يمتلك موهبة الحفظ وتلاوة الألحان، وهي الفرصة الوحيدة المتوفرة للكفيف في ذلك الوقت للتعرف على العالم الخارجي والتي تفضلها أسر فاقدي البصر عوضًا عن إرسالهم للكُتاب بالقرية
ويروي فايز بقطر لـ"المصري اليوم" أنه كان بإمكان الكفيف الاكتفاء بالذهاب إلى الكنيسة المجاورة لمحل إقامته وحفظ الألحان بها فقط، لكن الجد قرر إتخاذ خطوة إضافية داعمًا مستقبل الطفل، إذ فضل إرساله إلى معهد ديديموس لتعليم الألحان الكنسية بالقاهرة، وهي بمثابة مدرسة داخلية ومدة الدراسة بها تصل إلى ست سنوات، ويتذكر فايز جيدًا مهارته في حفظ الألحان الكنيسة قائلًا: حينما دخلت المعهد وفي الدقائق الأولى كان المعلم لويس جاد (مدرس كفيف بالمعهد) يعلمنا لحن باللغة القبطية وبمجرد استمعت إليه للمرة الأولى استطعت الاحتفاظ به في ذاكرتي وعلى الفور تحمست ورفعت كفي للرد على سؤاله: من يقول اللحن؟.. ودهش من قدرتي على تلاوة اللحن دون أخطاء، حتى أنني أصبحت من تلاميذه المقربين طوال سنوات المعهد وحتى يومنا الحالي
كانت الألحان وحدها خير رفيق للمعلم فايز، وشكلت ماضيه وحاضره، لم يعرف سواها سبيلًا للعلم والمعرفة، ورغم أنه في بعض الأحيان لدى الأطفال المكفوفين فرصة الدراسة داخل مدارس حكومية إلا أن محافظته البحيرة لم يتوفر بها تلك السبل التعليمية وقتذاك، فما كان على أسرة فايز سوى توطيد علاقة الصغير بالألحان التي وجد نفسه يحبها بمرور السنوات فالجميع في المعهد يشيد بصوته العذب وأدائه المتميز عند ترتيل الألحان الكنسية، لذلك لم يبتعد يومًا عن الخدمة والصلاة بالألحان داخل كنائس القاهرة متنقلًا من الواحدة إلى الأخرى إلى اليوم فهو حاليًا يرتلها داخل كنيسة العذراء بوكالة البلح
رحلة أمل وتعلق بالألحان مماثلة، عرف طريقها جورج عدلي، بدايتها كانت بفقدان البصر في سن مُبكر ودون سبب واضح يخفف عنه تلك الذكرى المؤلمة التي بدأها قائلًا "أنا لم أولد هكذا"، ففي العام الثالث على ولادته تحول مصيره بقفزه واحدة، ليس كما ينتهي لعب الأطفال في منازلهم بالاستمتاع وتفريغ الطاقات، لكن بنهاية مُفزعة ظلت تؤرقه ويجني ثمارها سنوات حياته، التي تصل إلى ٣٩ عامًا، صعد فوق كرسي خشبي يستقر بالقرب من ماكينة خياطة، وفجأة تنتهي ثوان من المرح بالوقوع على الماكينة ومنها إلى الأرض مباشرة
وهنا ينفصل عن عالم كان يراه بكل وضوح أخذته أسرته في جولة طبية بين الكثير من أطباء القاهرة متسائلين عما أصاب عينيه، ولم يجدوا سوى إجابة مُبهمة غير وافية تزيدهم قلقلًا وأملا في الشفاء، إذ ردد الجميع عبارة "طفلكم لا يعاني من شيء"، حتى حسم الأمر بعد ٥ أعوام من البحث عن علاج يعيد للصغير نظره، واستقر الأطباء عام ١٩٩٢ على إصابة العينين بضمور الشبكية، وهنا تأخذه الحياة في طريق تعلم الألحان الكنسية، تصحبه أسرته إلى الكنيسة ليحفظ الألحان ويرتلها ويزداد يومًا بعد يوم تعلقًا وحبًا لها
يرحل جده عن العالم، ويتجه جورج مع أسرته من القاهرة إلى طما، لوداع جده مع العائلة، وهنا تتضح معالم المحطة الثانية في حياة الصغير، يراه قسيس الكنيسة للمرة الأولى ويستشعر مهارته في حفظ وتلاوة الألحان -فكان الطفل يقف بين المرتلين في مقدمة الكنيسة- يطرح القسيس على أسرته إرساله إلى معهد ديديموس بالدير المحرق في أسيوط لتعليم المكفوفين الألحان، يأبى الصغير وبعد إصرار من القسيس يوافق جورج بشرط التعلم في فرع المعهد بالقاهرة على نفقة الكاهن ويوافق على وعد بأن يعود ليخدم بما تعلمه بكنيسة جده والقسيس في سوهاج بعد الانتهاء من دراسته بالمعهد (مدرسة داخلية ومدة الدراسة ست سنوات)
وأحب جورج، الذي صار معلمًا للألحان إلى الآن، التراتيل الكنسية ويبوح بمشاعره حولها قائلًا: "وقعت في حبها تلقائي وكان يوم الأحد بالنسبة لي يومًا مقدسًا وحينما كنت أردد الألحان مندمجًا في تلاوتها كنت أبكي ومنذ الصغر أسمع وأحفظ الألحان الكنسية". التحق بالمعهد في الـ١٢ من عمره وحصل على شهادته عائدًا إلى سوهاج لتنفيذ الوعد في عام ٢٠٠١ فكان وحده معلم الألحان في تلك الكنيسة وظل يخدم بها حتى يومنا الحالي ويتقاضى الأجر على الترتيل باعتبارها وسيلة فاقدي البصر للعيش وكسب المال، توفرها الكنائس لكل مُعلم يقدم كل وقته مُتفرغًا لخدمة الكنيسة وأبنائها
ويرى مينا أمجد في الألحان مهربًا من الوحدة "فرصة للاختلاط مع العالم الخارجي"، فهي مشوار من الخدمة ووسيلة اكتشاف لعوالم يعصى عليه رؤيتها، ولد الشاب العشريني عام ١٩٩٩ في مركز طما بسوهاج فاقدًا للبصر بين أسرة مكونة من ثمانية أفراد، الوالدين وخمسة أشقاء أصغرهم طفلة يربطها بمينا ذات المصير فكلاهما ولدا فاقدي للبصر، قضى الصغير الضرير أعوام الطفولة الأولى يتردد على الكنيسة يتعلم الألحان بدعم من أسرته التي حرصت على إلقاء بذور حُب الألحان لتنبت في ذهن الصغير ثمارها في الكبر
ويحكي الشاب: كبرت وعلمت أن الألحان تجذبني نحوها شيئًا فشيئًا، وشعرت أن موهبتي تكمن في حفظ الألحان وأنها هبه ربانية حباني بها الله تعويضًا عن نور البصر، ولم أجد طريقي إلا في حفظها، إذ صارت تجربة دراستي بمدرسة النور والأمل، قبل دخولي المعهد، بالكاد وتوقفت عن ارتيادها
واختار المعلم الشاب مينا دخول معهد ديديموس بالدير المحرق عام ٢٠١٣، يقيم من الاثنين إلى الأربعاء يغادر الأحد ويعود الخميس، وكان أدائه الدراسي ليس كغيره من طلاب المعهد فحصل على تقدير جيد جدًا في العام الأول والامتياز خلال خمس سنوات الدراسة اللاحقه حتى ٢٠١٨، إلى أن يتفاجئ بقرار ترشيحه للتدريس بالمعهد، ويصير هو مُعلمًا للمكفوفين والمبصرين، تقديرًا من مُعلمي المعهد له وتميزه الدراسي في حفظ الألحان
ويصل عشقه للألحان إلى أنه لا يكل أو يمل من تدريسها ويعلم أبناء كنيسته بطما فنون التلحين بأيام إجازته، إيمانًا منه بمقولة أوصاه معلمي المعهد بها وهي "من تعلم الألحان عليه أن يعلمها فهي باتت مسؤوليتك"، مُعتبرين الألحان إرث كنسي لابد من أن يبقى حيًا على مر الزمان
يشير الشاب إلى أهمية الألحان للمكفوفين، قائلًا: مهمة تدريس الألحان تساعد في الحصول على خبرات حياتية فهي ليست معطل لكنها تشجع لاكتساب المزيد من المهارات ويحصل مدرس اللحن الكنسي على لقب (مُعلم) لأنه يُعلم الناس، وهي وظيفة وفي الوقت ذاته خدمة لأبناء الكنيسة كما يتلقى في المقابل أجر شهري
مشقات في طريق المُعلم الكنسي
تسليم الألحان من جيل للثاني، مسؤولية وضعتها الكنيسة الأرثوذكسية على أكتاف المكفوفين طوال عقود، وهم أثبتوا براعتهم في الحفظ وقدراتهم على تخزين الألحان وتناقلها بسلاسة، لمع بريقهم في سنوات لم تكن الألحان الكنسية مُدونة بالكتب، وكانوا وحدهم حافظي أسرار ومفاتيح اللحن الكنسي دون سواهم
مهمة عكف فاقدي البصر على إتمامها بنجاح، حتى يأتي الاختبار الأعظم ومفترق الطرق، في وقت باتت التكنولوجيا بطل الحكاية، لذا هل يثابر المكفوفين لحماية بصمتهم بتاريخ اللحن الكنسي أم يستسلمون للمعوقات وتحملهم انشغلاتهم واحتياجاتهم بعيدًا؟!، يروي المعلم فايز، أن حال المعلمين بالوقت الحالي تبدل مقارنة بالماضي، وأصبح هناك توجه لاستبدال المعلم المكفوف بالمبصرين، لافتًا إلى أن ذلك عرض المكفوفين للظلم
وبات الكفيف بالكنيسة الأرثوذكسية يجد في وظيفة تعليم الألحان مشقة دون مقابل يساعده في العيش برخاء، ويقول المعلم فايز: "ليس هناك قاعدة أو أجور ثابتة يحصل عليها المعلم من الكنيسة"، ورغم رحلة من الحب للألحان اجتازها منذ الطفولة إلا أنه يشعر بالوقت الحالي بالضيق مما آلت إليه الأمور، ويذكر أن مشاعره تختلف عن السابق "في حالة كان أمامي سبيل العمل والحصول على وظيفة ربما كنت اختارها وبالتأكيد يحق للشباب من المكفوفين التوجه للدراسة والعمل في حالة توفرت الفرص لهم في زمن تطورت به الحياة وأصبح للكفيف مساحة لتحقيق أحلامه"، فيما أشار إلى أنه توجد بعض الكنائس التي لمس بها خدمة جيدة للمكفوفين ورعاية دينية وحياتية
وفي وقت أصبح العلم متاح للجميع، تفوق المبصرين بتعلمهم القراءة وتوفر الألحان إلكترونيًا على المكفوفين، يعتمد فاقدي البصر على السمع للحفظ والاتكال على الذاكرة في حين يقرأ بسهولة المبصر الألحان المكتوبة ويجيد تلاوتها دون الحاجة إلى حفظها عن ظهر قلب، بخلاف الزمن البائد إذ كانت الأغلبية من المكفوفين وقدراتهم التعليمية متقاربة ويسيرون على نفس الخطى، بتلك الكلمات كشف المعلم فايز عن تغيرات أبعدت المكفوفين عن ممارسة وظيفتهم الأولى بالكنيسة
وحول شروط قبول المكفوفين في المعهد الواقع بالقاهرة، قال: لابد من أن يكون المتقدم للدراسة في المعهد من فاقدي البصر يستطيع تأدية الألحان ويتمتع بصوت جيد بالإضافة إلى قدرته على الحفظ، ويُرفض التحاق الكفيف المصاب بأي مشاكل صحية بالمخ أو أجزاء من الجسم، تعوقه عن أداء مهمته في تلاوة الألحان أو تفقده القدرة على التركيز للحفظ، ولابد من أن يكون سن الملتحقين بالمعهد من فاقدي البصر من 17 إلى 25 عامًا ولا يجوز أن يكون متزوجًا حتى يتفرغ للخدمة الكنسية
فيما يُحمِّل المعلم جورج المسؤولية على أسر المكفوفين وغياب الوعي بأهمية تعلم الألحان الكنسية وتحفظيها للصغار فاقدي البصر: مستوى السمع بشكل عام تراجع ولم تعد الناس تهتم كثيرًا بحفظ الألحان مقارنة بالماضي، بالتالي قل سعر المعلم وتم إحلال الكفيف بالمبصرين وأصبحت الألحان تقال في كل الأحوال والظروف من المبصرين أو المكفوفين
ويوضح أن أسباب تراجع أعداد المكفوفين حارسي الألحان الكنسية إلى توفر العديد من المبصرين دارسي الألحان، على عكس ما كان يحدث في الماضي، فكانت نسب الراغبين في تعلم الألحان كثيفة، ولم يكن إلا المكفوفين ليعلموا تلك الألحان، لذا كانت الحاجة إليهم، ويتابع: حاليًا الألحان انتشرت جدًا في ظل التطور التكنولوجي وقديمًا كان المعلم المصدر الوحيد للحن الكنسي
وأضاف أن بحث الأجيال الجديدة من فاقدي البصر عن الوظائف كمصدر دخل مستقر، أحد الدوافع وراء التراجع في أعداد المعلمين المكفوفين، واستكمل معبرًا عن انزعاجه من الأجور الضعيفة للمعلمين في الكنائس، ويشير إلى أنه ليس هناك وسيلة للتفاوض على زيادتها، ويشير إلى أنه في بعض الأحيان لا يكون هناك تقدير لظروف المعلم المادية: لدي أسرة وابنان فتاة وصبي، وأعاني في العمل بطما وطوال الوقت أبحث عن العمل بكنيسة أخرى بالتواصل مع معلمين بكنائس ثانية أو سؤال الآباء الكهنة بالكنائس التي أرغب في الانتقال إليها
وتختلف أحوال المعلمين المادية حسب المنطقة أو المحافظة التي يخدم بها، وهي كلمات لفت بها المعلم جورج إلى أن المعلمين المستقرين في الصعيد حالهم أكثر قسوة من القاطنين في القاهرة، وقال: الصعيد لا ينظر إليها باهتمام ونحن فئة لا تسمع شكوانا ومتضررين
ويروي المعلم مينا أمجد، الشاب العشريني، أن المكفوفين بالمعهد كانوا أكثر عددًا مقارنة بالوقت الحالي، وذلك لأنه قديمًا كان هناك معلمين بارزين بالكنيسة من فاقدي البصر وهم من كان لهم الدور الأساسي في دعم وتعليم الألحان .. "حاليا فيه وفرة من مدارس المكفوفين لذلك يذهب ويدرس فاقدي البصر في مدارس أو كليات، سعيًا وراء الحصول على وظائف شأن المبصرين، لكن يفضل قلة قليلة حفظ الألحان كوظيفة توفر له المال"، كلمات بسيطة يختزل بها المعلم الشاب مينا حال المكفوفين ودوافع الانسحاب من مهمتهم الكنسية وتحفيز المكفوفين وأشهرهم المعلم ميخائيل، وذلك ساهم في كثافة
حاليا فيه وفرة من مدارس المكفوفين لذلك يذهب ويدرس فاقدي البصر في مدارس أو كليات، سعيًا وراء الحصول على وظائف شأن المبصرين، لكن يفضل قلة قليلة حفظ الألحان كوظيفة توفر له المال، كلمات بسيطة يختزل بها المعلم الشاب مينا حال المكفوفين ودوافع الانسحاب من مهمتهم الكنسية
ويتابع: لكن هناك كنائس أجورها ضعيفة وأخرى توفر أجور أفضل، حسب إمكانيات كل كنيسة، أما المعهد متخصص في تعليم الألحان ويساهم في توفير فرصة عمل للمعلم بترشيحه حينما تطلب الكنائس أعداد من المعلمين حيث يتواصل آباء الكنائس مع المسؤولين في المعهد أو مديرها. المعلم لا يفرض عليه الاستقرار والعمل داخل كنيسة واحدة بل من الممكن تقديم تلاوة الألحان داخل أكثر من كنيسة ويتقاضى في المقابل مبلغ مالي يساعده في الحياة بشكل جيد
وأضاف أنه على الكنيسة إنقاذ وظيفة المكفوفين، حراس اللحن الكنسي: "لابد من تقديم الكنيسة يد المعونة لمساعدة المكفوفين حاليًا بالتركيز على ضرورة وجودهم بأعداد مناسبة بكل الكنائس (الأرثوذكسية) في مصر لأنها وظيفته الأولى وطريقه ليكون شريكًا داعمًا وأساسيًا في الكنيسة"، ويناشد القساوسة بالكنائس بإرسال المكفوفين إلى معهد ديديموس بفرعيه في القاهرة أو الدير المحرق ليصبح حينها الكفيف مستعدًا للخدمة
ويقول ماجد صموئيل، المدرس المُبصر في معهد ديديموس للمرتلين بالدير المحرق، إنه وكلت مهمة حفظ الألحان للمكفوفين أول الأمر لأن فاقد البصر لم يكن يملك وظيفة سواها، وتميزوا في حفظ الألحان، وينوه إلى أنه لم يكن بالتأكيد جميع المكفوفين سابقًا معلمين، وتابع: أغلب المعلمين بالوقت الحالي مبصرين وعدد المكفوفين تراجع جدًا وربما السبب يرجع إلى عدم اهتمام البيوت بابنهم الكفيف أو أن يكون غير قادر على تعلم الألحان بشكل عام
وأشار إلى أن دور المعهد تربوي وليس توعية المكفوفين أو استقطابهم ويهدف إلى تقديم مرتل أكاديمي دارس وحافظ لكل ألحان الكنيسة ويأتي للمعهد طلاب من حول العالم ويتوافدون بكثافة من السودان لتعلم الألحان الكنسية ويستكمل: في المعهد تُدرس الألحان للمكفوفين سماعيًا وتتوفر كتب الألحان مُدونة بالبريل ويتعلمون اللغة القبطية وتاريخ وطقوس الكنسية والتسبحة بالإضافة إلى الألحان
ويسترجع مدير معهد ديديموس بالدير المحرق، ميصائيل المحرقي، رحلة المكفوفين الأولى في التعلم وحفظ اللحن الكنسي، ويشير إلى أن الكفيف لم يكن له مجالات للتعلم أو وعي بأهمية تثقيف المكفوفين قديمًا حينها عرف المكفوفين طريقهم إلى دير العذراء المحرق بأسيوط لتعلم الألحان من الرهبان في زمن يسبق تأسيس معاهد الألحان للمكفوفين، واقتصرت حفظ الألحان الكنسية عليهم دون غيرهم
وأضاف الأب الراهب لـ«المصري اليوم» أنه قبل حوالي 60-70 سنة لم يكن هناك مبصرين يحفظون الألحان: أول وأبرز المبصرين الذين أتخذوا طريقهم الجديد في تعلم الألحان الكنسية وترتيلها بالكنيسة هو المعلم إبراهيم عياد بالإضافة إلى عدد قليل من المبصرين الدارسين للألحان
ويعود بالذاكرة إلى الوراء، يحكي عن بدايات إدارته للمعهد وأعداد المكفوفين: "يوم استلمت المعهد كان 24 طالبًا جميعهم مكفوفين وليس سوى شخصًا واحدًا يرى بعين واحدة، على عكس السائد بالوقت الحالي إذ تجد الأغلبية العظمى باتت للمبصرين، بين 100 طالب خلال 5 سنوات التعلم بالمعهد يتواجد 12-13 طالب كفيف فقط"، ويوضح الراهب مسؤولية الدير تجاه الدارسين: نحن نتكفل بكل شئ الدير يتكفل بأكل ونوم ودراسة للمكفوفين وأجور المدرسين وهي خدمة الدير المحرق للكنيسة
ولفت إلى أنه في المقابل على الكنيسة الدور التوعوي والتثقيفي بالبحث عن المكفوفين وإرسال الموهوبين منهم ومن يمتلكون الصوت الجيد إلى المعهد بالدير المحرق، ويشير إلى أنه يأتي مكفوفين في سن مُتقدم (ثلاثيني) إلى المعهد يطلب تعلم الألحان، ويكون للتو علم عن المعهد ولم يتعلم شيئًا طوال حياته، وهنا يرفض المعهد انضمامه لأنه يصعب عليه الحفظ لأعداد ضخمة من الألحان أو التجاوب مع دراسة المعهد الأكاديمية
وقال المشرف العام للمعهد إن "دور الكنيسة والكهنة التوعية، من الممكن أن يكون الكفيف مُهمل في الأسرة، لا يوجد كاهن لا يعلم أن معهد ديديموس يستقبل المكفوفين لتعليمهم الألحان الكنسية، بالتالي لماذا يترك الكفيف حتى يصل 40 عامًا دون تعليم والسن المناسب للكفيف يبدأ من 15 عامًا حتى يصبح قادرًا على تحمل مسؤولية نفسه"، واختتم عباراته بضرورة متابعة الكنائس للمكفوفين بكل المحافظات: التوعية مهمة جدًا
حاليًا، يتلقى المبصرين طلبات أكثر من المكفوفين الدارسين للألحان بمعهد الدير المحرق فهو قادرًا على التنقل والسفر بسهولة والمشاركة في غالبية الخدمات داخل الكنيسة وخارجها، وباتت الوظيفة تقتصر على أصحاب الموهبة فقط من المكفوفين، واستطرد: أنا أقبل الكفيف دون قيود أو شروط بالمعهد.. والبحث عن الوظيفة والتعليم أخذ جزء كبير من المكفوفين كما أن هناك جزء أخر ليس له رغبة في تعلم الألحان
في البداية كان الإشراف على المعهد مهمة الكلية الاكليريكية ومن يديرها بالتناوب، وقال مدير المعهد الراهب ميصائيل: إن الربط بين الاكليريكية والمعهد جعل الاهتمام بالمعهد ضعيف، حتى حدث الفصل بين المدرستين الكنسيتين، إذ اقترح الأنبا ساويرس بعد أشهر من رهبنتي بالدير، تحمل مسؤولية إدارة المعهد ومنذ ذلك الوقت وقع الانفصال بين الجهتين (للتعليم المسيحي الأرثوذكسي) ولا أزال إلى الآن اعتبرها رسالتي في الرهبنة
وأرجع الراهب ميصائيل المحرقي السبب وراء تأسيس ذلك المعهد، رغم وجود معهد ديديموس للمكفوفين بالقاهرة، هو خدمة أهل الصعيد ولأن المسافة شاقة ومنهكة للمكفوفين الراغبين في تعلم الألحان، وأوضح أنه في الماضي كانت دراسة المبصرين بالمعهد فكرة غير مستساغة أو مقبولة مجتمعيًا، واختلف الأمر تمامًا بعد عشر سنوات من افتتاح المعهد: اعتاد الجميع في زمن إطلاق المعهد أن الكفيف هو الذي يقول الألحان ويدرس في المعهد وكانت فكرة أن يلتحق مبصر به، لم تكن مقبولة لغياب الوعي بين الناس بأن للمبصر حق الدراسة لدينا حتى بدأنا قبول المبصرين المتقدمين للاختبارات لتشجيعهم وتوفير أعداد أكبر من المرتلين للألحان بالكنائس
في المقابل، حكى القمص فام الأنبا بيشوي، المشرف العام على معهد ديديموس القاهرة، أن الأعداد الحالية للمكفوفين قليلة على عكس ما كان بالماضي، وأشار إلى أن الغالبية بالمعهد سابقًا كانت للمكفوفين، وذلك لأن المكفوفين لم يكن لهم وظائف إلا أن الألحان كانت وسيلتهم للخدمة والعمل، واستطرد: منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ قبول المبصرين وحاليا شروط قبول المكفوفين على أن يتمتع بالموهبة ويُرفض من يعاني من مشاكل جسدية تمنعه عن الخدمة
وأكد مدير المعهد بالقاهرة، أن البابا تواضروس يهتم بالمعهد وهو يشرف عليه وكان وراء قرار تجديد مقر المعهد بشبرا منذ عام 2013 وحتى يومنا الحالي لا تزال قائمة على أمل أن يفتتح قريبًا بمجرد الانتهاء من أعمال التجديدات، ولفت إلى أن الاهتمام بالمعهد كان بداية من تعيين البابا كيرلس السادس، للأنبا شنودة أسقفًا، أصبح مديرًا للمعهد وبعدما أصبح الأنبا شنودة بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، ظل يتابعه ويشرف عليه
صفحات في تاريخ معلمي اللحن الكنسي
تعود فكرة الاستعانة بالمكفوفين في تعليم الألحان الكنسية إلى التاريخ المصري القديم، إذ توارثتها الكنيسة الأرثوذكسية وحملتها عن الفراعنة، حيث كان المرتلون فى المعابد الفرعونية من المكفوفين، حسب ما ذكره الدكتور ميشيل بديع عبدالملك، محاضر القبطيات وتاريخ الكنيسة بجامعة برلين، حيث تمتلئ المقابر الفرعونية برسومات ونقوش تعكس مكانة المكفوفين، لما رأوه بهم من قدرة عالية على حفظ الترانيم الدينية والجنائزية والاحساس الرفيع بالموسيقى، موضحًا: تسجل الرسومات على جدران المعابد تاريخ تلك العادة الفرعونية التي كانت تُقام بها الصلوات
وأرجع الدكتور أسباب اختيار المكفوفين فى تولي مهمة حفظ وتسليم الألحان إلى قدرتهم على حفظ الألحان بالذاكرة دون اللجوء لاستخدام النوتة الموسيقية أو الكتب وهى موهبه إلهية، وأوضح أنه: لا يعرف على وجه التحديد متى بدأ المعلمين (المرتلين) بمهمة حفظ الألحان لكنهم استطاعوا تخزين الألحان في ذاكرتهم كما تسلموها من معلميهم الذين كانوا يسلمونهم الألحان عن طريق التصفيق باليد للتعرف على الإيقاع الموسيقي أو الطرق بالعصى على الأرض وفي أحيان أخرى الطرق بالأرجل على الأرض أو استعمال اليد بضربها بخفة على الساق.. كل هذه الوسائل الصوتية كانت تساعد المعلم وهو ضرير في توصيل نبرات اللحن من حيث العلو والانخفاض بالنبرات الموسيقية إلى التلاميذ المكفوفين الذين يتسلمون الألحان
ووصف الدكتور عبدالملك أن كلمة "معلم" التي التصقت بالمرتلين المكفوفين وباتت تطلق كذلك على كل من يحفظ الألحان ويعلمها من المبصرين، تعني أنه دارس للعلوم اللاهوتية ومُتقن جميع ألحان الكنيسة ويعيشها فى حياته ويسلمها للآخرين دون زيادة أو نقصان وبأمانة كما تسلمها، وتابع: ينبغي أن يكون المعلم أو المرتل متضع فى حياته ودارس للكتاب المقدس وينقل خبرته الروحية للتلاميذ الذين يقوم بتسليمهم الألحان الكنسية
وقال عنه الدكتور بديع مُحاضر القبطيات: الدكتور راغب مفتاح كرس حياته لحفظ ألحان الكنيسة من العبث بها والاندثار حيث باع كل ما يملكه من أراضي زراعية وبدء في شراء أجهزه تسجيل منذ عام 1926 وجمع ألحان الكنيسة وأسس معهد للمكفوفين حتى يتسلموا ألحان الكنيسة ويسجلونها، كما شكل خورس (فريق) للألحان من طلبة معهد الدراسات القبطية وبدء فى إصدار الألحان الكنسية على أسطوانات صغيرة ثم أسطوانات كبيرة وبعد ذلك على أشرطة تسجيل
وأشار إلى أن الدكتور راغب مفتاح استعان بالموسيقيين من الجامعات الأوروبية لتدوين الألحان القبطية على النوتة الموسيقية، وفى عام 1989 صدر عن دار النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة تدوين القداس الباسيلي بألحانه الكاملة (القداس هو صلوات وتسبيح للعبادة) واستكمل: "الدكتور راغب مفتاح كان ملتزما بتسجيل ونشر اللحن القبطى السليم ليكون مرجع كنسي لجميع مرتلي الكنيسة وسافر في جولات بين الأديرة لجمع الألحان المندثرة ولكنه لم يجرؤ على تطويرها لأنه كان أمينا في نقل الألحان
حل خلفًا للدكتور راغب مفتاح، محاضر القبطيات الدكتور ميشيل بديع عبدالملك، في رئاسة قسم الموسيقى والألحان القبطية بمعهد الدراسات القبطية في القاهرة، والذي استكمل مسيرته في حفظ الألحان الكنسية بتدوين موسيقى 88 لحنًا قبطيًا مع هيئة حفظ تراث البحر الأبيض المتوسط ومقرها باريس بمشاركة عالمة المصريات والقبطيات ورئيس أوركسترا جورجيا السيمفوني، وهي الدكتورة ماجدالينا كون
وعمل الدكتور ميشيل بديع بمشروع ديجيتال لإعادة جمع تسجيلات الألحان الكنسية، التي سجلها الدكتور راغب مفتاح، وذلك بالتعاون مع جامعتي برلين وهانوفر بألمانيا، وتم إيداع هذه التسجيلات الديجيتال في قسم الموسيقى والألحان بمعهد الدراسات القبطية بالقاهرة وتم إيداع نسخة أخرى بجامعة جوتينجن، المتخصصة في حفظ التراث العالمي للموسيقى الكنسية
الألحان هي جمل موسيقية تعكس أحاسيس داخلية للتعبير عن الشكر لله، ويسيطر عليها طابع الخشوع والنسك، وتصور أحداث الكنيسة المتعددة منذ بشارة الملاك للعذراء مريم بميلاده السيد المسيح وحتى الصعود إلى السماء. ويوضح الدكتور عبدالملك أنه : داخل اللحن القبطي ورثنا جمل موسيقية كانت ترتل فى التراث الشعبي المصري
فيما يجد الباحث القبطي الدكتور ماجد عزت إسرائيل، أن الألحان هي التراث التسبيحي الذي حفظته الكنيسة القبطية طوال ألفي عام، كانت ولا تزال تتلى باللغة القبطية لأنها كانت اللغة السائدة حتى العصر العاشر الميلادي، والذي يعتبره "تأثرًا من الكنيسة الأرثوذكسية بالحضارة الفرعونية والمجتمع المصري القديم"، إذ كانت الألحان تُقال في المناسبات المتنوعة عند الفراعنة مثل تلاوتها أثناء عملية التحنيط الفرعونية
رغم عدم تدوين الألحان موسيقيا أو توافر أجهزة التسجيل، التي انتشرت حديثًا فقط خلال هذا القرن، استطاعت الكنيسة حفظها من الاندثار من خلال "التقليد الشفاهي"، وأوجدت من أجل هذا المعلمين المكفوفين لقدرة ذاكرتهم على تخزين هذا القدر الكبير من الألحان، التي يصل عددها إلى حوالي 575 لحنًا، ويتراوح زمن تلاوتها ما بين نصف دقيقة إلى عشر دقائق
ويوضح الباحث لـ"المصري اليوم" أن ديمتريوس الفالروني، أحد أمناء مكتبة الإسكندرية، عام 297 قبل الميلاد، ذكر أن كهنة مصر كانوا يسبحون آلهتهم من خلال السبعة الحروف المتحركة، ويأخذون في الغناء بها الواحد تلو الآخر، وترديدهم هذه الحروف المتحركة ينتج أصواتا عذبة، ويتابع الباحث: ذلك هو نفس الأسلوب المتبع في الكنيسة القبطية حتى يومنا الحالي، حيث يرتل العديد من الألحان على حرف واحد
"يرجع الفضل إلى البابا كيرلس الرابع 1854-1861 والذي بفضل مجهوداته وتشجيعه استعادت الألحان القبطية مكانتها بعد فترة الركود مستعينًا بالمعلم تكلا، الذي جاب البلاد طولا وعرضا"، حسب تصريحات الباحث بالقبطيات، وأكد أنه ما من لحن وجده سليما إلا واعتمده حتى جمع الألحان كلها على أحسن صورة والتي يشملها طقس الكنيسة، فصار معلم الكُتاب الملحق بالكنيسة البطريركية الذي كان يتعلم فيه أولاد الأعيان إلى أن أنشأ البابا كيرلس الرابع مدرسة الأقباط الكبرى فعين المعلم تكلا معلما للألحان بها وبعد ذلك رسمه قسيسًا على الكاتدرائية لبالغ اهتمامه بطقس الكنيسة
وتعاون المعلم تكلا وعريان بك مفتاح، أستاذ اللغة القبطية في ذلك العصر، معًا لوضع كتاب يضم الألحان الكنسية لخدمة الشماس لأول مرة ويحمل اسم "خدمة الشماس"، وأضاف المعلم تكلا إلى الألحان القبطية بضعة ألحان يونانية قديمة، هي اثنا عشر لحنًا لم يبق منها حتى اليوم سوى القليل، مثل لحن يقال فى عيد الميلاد والغطاس وهو لحن إيبارثينوس
وواصل المعلم ميخائيل جرجس البتانوني الضرير رحلة حماية اللحن الكنسي، ولد في 14 سبتمبر سنة 1873 بالقاهرة، وكان في صباه يبصر قليلا وبعد ثلاث سنين أصيب بالرمد فسلمه والده الى الكنيسة ليتعلم الألحان، ولم يكن يبخل عليه بالمال في سبيل تحقيق ذلك، فتتلمذ على يد المرتلين مرقس وأرمانيوس، تلميذي المعلم تكلا وما إن بلغ التاسعة عشرة من عمره حتى كان استوعب الألحان وملك زمامها، كما درس أول الأمر بالأزهر الشريف في عام 1885 وحتى 1891، وفي هذه الفترة أتقن علوم النحو والصرف والبيان واستمع إلى ألفية ابن مالك من الشيخ محمد بصرة
وتقديرًا للجهود المضنية للبتانوني، رسمه البابا كيرلس الخامس شماسًا في سنة 1886، وارتقى إلى منصب كبير المرتلين في الكاتدرائية المرقسية في سن مبكر بعد أن التحق بالاكليريكية عام 1891، وفي 2 نوفمبر عام 1893 عين مدرسًا للألحان بالاكليريكية وكان معروفًا بدقته في الآداء وجمال صوته وحفاظه على أصول هذه الألحان
ومع بداية القرن العشرين اهتم راغب مفتاح، بالألحان الكنسية، وعكف على جمعها بطريقة علمية حديثة، فعمل على ضم المعلم ميخائيل البتانوني إليه، وعملا معًا لمدة أربعين عامًا، منذ 1928، وذلك بالتعاون مع الموسيقي العالمي"ارنست نيولاند سميث"، من هنا استطاع ثلاثتهم تسجيل العديد من تراث الألحان القبطية، ووصل عدد ما تم تسجيله من ألحان في النوتة الموسيقية ما يقرب من ستة عشر مجلدا، وهي التي حولها راغب مفتاح إلى تسجيلات صوتية، وحاولت لورانس مفتاح، ابنة شقيقه، بعد رحيله في يونيو 2001، بالتعاون مع مكتبة الكونجرس (المكتبة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية) تحويل تلك الألحان إلى أسطونات، مقدمة إياها إلى الراحل البابا شنودة الثالث في 2012 حتى تبقى في عهدة الكنيسة الأرثوذكسية
وقبل أن ينير المعلم البتانوني الكفيف، بإيمانه الشديد بقيمة اللحن الكنسي طريق أجيال من المرتلين المكفوفين، رسم القديس ديديموس الضرير ملامح الطريق إلى فاقدي البصر، مانحًا بمجهوداته ورغبته المُلحة في التعلم، باعثًا رسالة من خلال رحلة حياته تقول "لن يفقدك نور عينيك حقك في الحياة يومًا"، ولد في ٣١٣ ميلاديًا في أسرة فقيرة، وأصيب بمرض في عينيه أفقده بصره وهو في الرابعة من عمره، وكانت أسرته تتقبل بشكر ما أصاب ابنهم
بمرور الوقت لاحظوا قدرته على الحفظ الجيد وبدأ الصغير يتعلم عن طريق السمع، ومن بعدها تعلم الأبجدية بحروف منحوتة على لوح خشبي وتعلم بنفسه كيف يقرأها بطريقة اللمس، ويقول أحد رهبان دير الأنبا أنطونيوس في كتاب "القديس ديديموس البصير" والذي راجعه الأنبا يسطس أسقف ورئيس الدير، أن "القديس سبق بريل في صناعة الحروف البارزة للمكفوفين قبل ١٥ قرنًا"، ويؤكد الدكتور ميشيل بديع تلك العبارات قائلًا: "ديديموس الضرير كان ينحت على الخشب لتعلم الحروف الهجائية للغة اليونانية (فهي كانت اللغة السائدة زمن انتشار المسيحية في مصر واجتمعت مع اللغة القبطية ليشكلان الألحان الكنسية)
وقال عنه المؤرخ الكنسي وعالم الآبائيات الألماني جوهانسن كواستن: "علم نفسه قواعد اللغة والبلاغة والفلسفة والمنطق والحساب والموسيقى"، ما أهله للحصول على منصب مدير المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية عام ٣٤٦ ميلاديًا، وكان يتخرج منها باباوات الكنيسة الأرثوذكسية، ومدة رئاسته حوالي ٥٢ عامًا أي أكثر من نصف قرن، وأغلقت المدرسة بعد نياحته
وتقاطر الطلاب للتعلم من ديديموس الضرير، وكان جيروم من أبرز آباء الغرب في تفسيره للكتاب المقدس وأشهر تلاميذه، وطالما فخر بتأثير تعاليم ديديموس بين كنيسة الشرق والغرب، كما ترجم له أحد كتبه ويحمل اسم "الروح القدس"، وفي مقدمة الكتاب قال عنه: "إن ديديموس له فكر نير وكلمات بسيطة"، توفي عام ٣٩٨ ميلاديًا في عمر الـ٨٥ وتقديرًا لما قدمه أطلق الراحل البابا شنودة الثالث اسمه على معهد تسليم الألحان والتسبحة القبطية ولا يزال المعهدين بالقاهرة ودير العذراء المحرق يحملان اسم المعلم ديديموس إلى الآن